معها إما أن تعز أو تذل، إذا لم تستطع أن تتخلص منه يعني انتهيت أنت، وإذا تخلصت منه، فأمرك صحيح. فنزل عبيد الله بن زياد من البصرة إلى الكوفة، كان معه عبدالله بن شريك الأعور، وهو من شيعة البصرة ووجوهها الاجتماعية، كان وجها اجتماعيا، يجوز في بعض الأماكن الحاكم سواء كان لأجل مراعاة منزلة الشخص الاجتماعية أو دوره في المجتمع أن يقربه إليه، فجاء معه عبدالله بن شريك الأعور، وفي الطريق انتكس حال عبدالله بن شريك، تمرض مرضا ثقيلا، ابن زياد تركه في الطريق ومشى في مشواره، هؤلاء لا يوفون لأحد حتى ينتظر ويعرف وضعه، أبدا، وصل إلى الكوفة وسيطر عليها. عبدالله بن شريك تعافى وصار قادرا على أن يواصل المشوار إلى الكوفة، مع استمرار مرضه، فلما وصل إلى الكوفة
جلس في بيته وفي حالة المرض، فكان يزار، فقيل لابن زياد أن عبد الله بن شريك يشكو، ولا يزال مريضا، ومقتضى الأعراف الاجتماعية أن تزوره، فأُخبر ابن شريك بأن ابن زياد سيأتي أن يزوره، عبدالله بن شريك أَسَرَّ إلى مسلم بن عقيل، قال له هذه فرصتك النهائية، هذا رجل فاجر جاء في مهمة محددة وهي قتل الحسين عليه السلام، وسيأتي إلى زيارتي وعيادتي في مرضي، فلما يأتي أنت تكون مختفيا في الداخل، وعندما يجلس اخرج واضرب رأسه، وتنتهي المشكلة، تعرفون القصة فقد مرت عليكم، أنا فقط أستفيد من إشاراتها. فجاء ابن زياد، وجلس هناك، وابن شريك استبطأ خروج مسلم، (يالله)، (متى؟)، لا يستطيع أن يصرح بالأمر، فبدأ يشير بالشعر، (ما الانتظار بسلمى لا تحيوها * حيوا سليمى وحيوا من يحيها)،
رمز وشفرة، قم وانه عملك، كررها، أبدا ما صار، آخر شيء قال (إسقونيها ولو كان فيها حتفي)، (اطلع خلص شغلك) حسب التعبير، حتى لو أنا أموت لا مشكلة، لكن كله بدون صراحة، حتى شك ابن زياد في الأمر، قال ما شأنه؟ فأحدهم قال هذا حاله يهذي من الصباح بهذا الشكل لا نعلم ما به. الحراس حسب التعبير عندهم هذه الحس بسرعة أخذوا ابن زياد وخرجوا به من بيت ابن شريك، لما خرج ابن زياد نادى ابن شريك مسلم بن عقيل، يا ابن عقيل، لماذا لم تخرج وتعمل ما اتفقنا عليه؟ كيف ضيعت هذه الفرصة؟ فقال أمورا منها (أني سمعت حديثا ينقله الناس عن النبي محمد، أن الإيمان قيد الفتك فلا يفتك مؤمن ولا يغدر)، لابد أن يكون الإنسان ملتزما، أنت
جئت بهذا الرجل وأمنته في هذا المكان، والنبي يقول المؤمن لا يغدر، وهذا غدر، هذا فتك، يعني قتل غيلة، ابن شريك قال لعله، هذه الفكرة موجودة عند البعض قال لو قتلته لقتلت كافرا فاجرا وخلصتنا منه. لكن هذا الكلام الذي يقال هذا منطق السياسي، عندك خصم اقتله بأي طريقة من الطرق، تخلص منه، دع قليلا الأمر الأخلاقي على جنب مؤقتا، (وخلص شغلك)، ذاك كلام مسلم بن عقيل يقول لا، المنطق الأخلاقي فوق كل شيء، نفس الكلام الذي يقوله الإمام عليه السلام: (ولولا الإيمان لكنت من أدهى العرب)، ولولا أنه هذا غدر والغدر يعتبر فجورا، لما كان معاوية يغلبني ولا غيره يغلبني، فهذا هو المنطق الأخلاقي، وذاك المنطق السياسي. عبدالله بن شريك كان يعمل على أساس أنه يجب أن تنتهي من
عملك بأي طريقة من الطرق، وأن هذا يبرر أن نبعد موضوع الأخلاق جانبا، بينما مسلم بن عقيل وهو أثبت بهذا وغيره أنه فعلا اختيار الإمام الحسين إليه كان في محله المناسب تماما، فلم يفعل ذلك. هذا في مقابل ابن زياد نفسه الذي جيش الجيوش، وجيش الجواسيس، بل أعطى الأمان لمسلم بن عقيل عن طريق قيس بن الأشعث، قال له قيس بن الأشعث لما بدأ الاشتباك بينهم في قضية منزل طوعى، قال له أنت آمن يا ابن عقيل على نفسك، سلم نفسك وأنت آمن، عندي أمان من الأمير ابن زياد، قال لا والله، ولما صار أيضا أخذوه وفعلوا به ما علمتم. هذا المنطق منطق الغدر، وذكرنا في ليلة مضت في قصة شريح القاضي مع هاني بن عروة، كيف قال لهم، استدرجوا