لماذا كان العقل أفضل نعمة والمخدرات نقمة؟
كتابة الفاضل علي السعيد والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين أبي القاسم المصطفى محمد، وعلى أهل بيته الطيبين الطاهرين المعصومين المكرمين. السلام عليكم أيها الإخوة المؤمنون، أيتها الأخوات المؤمنات ورحمة الله وبركاته. نستمر في حديثنا في وصية الإمام موسى بن جعفر الكاظم صلوات الله وسلامه عليه لهشام بن الحكم البغدادي، والتي عنونت بأنها وصيته في العقل، وهي من الوصايا المستوعبة والشاملة والطويلة، مما جاء فيها: " يَا هِشَامُ مَا قُسِمَ بَيْنَ الْعِبَادِ أَفْضَلُ مِنَ الْعَقْلِ نَوْمُ الْعَاقِلِ أَفْضَلُ مِنْ سَهَرِ الْجَاهِلِ وَ مَا بَعَثَ اللَّهُ نَبِيّاً إِلَّا عَاقِلًا حَتَّى يَكُونَ عَقْلُهُ أَفْضَلَ مِنْ جَمِيعِ جَهْدِ الْمُجْتَهِدِينَ وَمَا أَدَّى الْعَبْدُ فَرِيضَةً مِنْ فَرَائِضِ اللَّهِ حَتَّى عَقَلَ عَنْهُ ". هذه الفقرة التي يتناولها إمامنا موسى الكاظم عليه السلام، ويتناول فيها أهم نعمة
أنعم الله بها على عباده، وهي العقل، الآن عندما يراد أن يقال أن فلانا عنده خير كثير، عنده نعم طائلة، الغالب أن الناس يتبادر إلى ذهنها أن لديه أموالا كثيرة، أن لديه سيارات ومنازل وأرصدة وصحة وزوجات وأولاد، وهكذا، يقال هذا ما شاء الله أنعم الله عليه بنعم كثيرة ومتعددة، حتى أن الناس لَيَتَمَنَون أن يكونوا مثله، فخرج على قومه في زينته، هذا من؟ قارون، قال الله تعالى: ﴿فَخَرَجَ عَلَىٰ قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ ۖ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ [القصص: ٧٩]، هذا محظوظ بشكل عظيم وكبير. هذه النعمة عند الناس، وهذه النعمة التي عند الناس الله قسمها أقساما، قسما أعطاه شيئا كثيرا، قسما شيئا متوسط، قسم شيئا قليلا، عندما
نسأل الباري سبحانه وتعالى، يا رب ما هي أفضل نعمة قسمتها بين عبادك؟ هل هي الأموال؟ هل هي كثرة الزوجات؟ هل تعدد السيارات؟ هل هي البيوت والقيعان والأراضي المتمادية والبساتين؟ هل هي القناطير المقنطرة من الذهب والفضة؟ يقول الإمام كلا، أفضل ما قسم الله بين عباده ليس هذا، وإنما هو العقل، من يكون أكثر عقلا، هذا أفضل نعمة عنده، التمايز بينك وبين غيرك الحقيقي هو في مقدار العقل، عندك الدرجة العليا من العقل، فأنت في نعمة عظيمة، ذاك البعيد في الدرجة الدانية من العقل ليس عنده خير ولا نعمة. وهذه ليست قضية فقط غيبية، وإنما بالإضافة إلى ذلك قضية معاشة، شخص الله ينعم عليه بكل هذه الأمور، بالأموال بالأراضي بالسيارات بالنعم الظاهرية لسوء عقله من الممكن أن يتلفها في يوم
واحد، حاكم من الحكام بيده السلطة والصولجان والراحة والاستراحة، والناس متنعمون، يضرب عقله بشكل معين، فإذا بهذه الأرض إذا بهذا المكان الذي بعضهم يراها جنة الله على أرضه تتحول إلى خرائب وزرائب، ويشفق من كانوا يتصدقون عليه يشفقون عليهم، هذا من أين؟ هل كان هذا الحاكم ليس عنده سلاح؟ عنده سلاح، ليست عنده أموال، عنده أموال، ليست عنده سلطة؟ عنده سلطة، لكن عقلا لم يكن عنده بشكل كامل، لذلك أفسد دولة كاملة. الآن إذا تلاحظ في التاريخ القديم والحديث، دول كاملة انتهت، افتقرت، الذي يعبر عنها القرآن الكريم، ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ [النحل: ١١٢]. هذا ماذا؟ ليسوا هم فقط، وإنما
في جزء كبير من سياسة القادة وعدم تعقلهم، في لحظة معينة يقرر قرارا، ذلك القرار ينتهي إلى نهاية هذه الدولة، وإلى افتقار الناس، وإلى وإلى وإلى، هذا قراره من أين أتى؟ ليس من السماء، بل من عقله البائس، هذا بالمقاييس العادية. شخص من الأشخاص تصير عنده أموال طائلة، يفكر تفكيرا خطأ، فيذهب وراء مسارات غير طبيعية، أحد الملاكمين قبل مدة كانوا قد نشروا معه مقابلة، وهو يعيش في شقة جدا متواضعة، قالوا له أنت في وقت من الأوقات أموالك مئات الملايين، وراء كل مباراة ملاكمة كم ضربة من هذا الصوب وكم ضربة من ذاك الصوب، كم حصل فيها؟ حصل فيها (٢٠) مليونا، الآن ماذا حدث معك؟ قال: أنا كنت سأصبح مليارديرا لكن ذهبت فيما بعد وراء اللعب، فساده جره إلى