وصية الإمام الكاظم لهشام بن الحكم
كتابة الفاضلة ليلى الشافعي
في آخر حلقةٍ من الحديث عن وصية الإمام موسى بن جعفر الكاظم عليه السلام كان آخر الحديث في تعداد الإمام موسى بن جعفر جنود العقل وجنود الجهل وقد ختم الإمام عليه السلام مقولته لهشام بالقول يا هشام لا تجتمع هذه الخصال إلا لنبيٍ أو وصيٍ أو مؤمنٍ امتحن الله قلبه للإيمان . فالأنبياء من الواضح أنه تجتمع لهم هذه الصفات والأوصياء كذلك ، وهناك فئةٌ خاصةٌ من المؤمنين الذين بذلوا الجهد الأكبر في اجتياز الامتحانات الإلهية وفي ترويض النفس وقمع الشهوات حتى وصلوا إلى أنهم احتازوا جميع العقل وطردوا عنهم جميع جنود الجهل . وهذا يعني أن بإمكان الإنسان أن يصل إلى هذه الدرجة بحيث يطرد عنه الصفات التي عدت جنود الجهل وهي ٧٥ صفة وأن يجتذب الصفات الأخلاقية التي
ينتجها العقل ويحوز جنود العقل وهذا يعني أن هذه ليست مستحيلة على الإنسان العادي . فبعض الأمور كالعصمة الضرورية التامة مستحيلةٌ على الإنسان العادي الذي لم ينتخب من الله بشخصه ، ولكن الارتقاء في هذه الدرجات ممكن ولذلك يقول الإمام عليه السلام فيما بعد ( وأما ساير ذلك من المؤمنين فإن أحدهم لا يخلو من أن يكون فيه بعض هذه الجنود من أجناد العقل ) فأنت عندك جنود العقل فعندك الإيمان بالله ورسوله والمعصومين وهذا في مقابل عندك جندي واحد وهو الكفر فجنود الجهل كالكفر مطرودةٌ عنك وتستطيع أن تأتي بباقي جنود العقل كما تستطيع أن تطرد باقي جنود الجهل . فيقول عليه السلام ( فإن أحدهم لا يخلو من أن يكون فيه بعض هذه الجنود من أجناد العقل حتى
يستكمل العقل ) فبالتدريج تستطيع أن تأخذ هذه الصفة وتلك وإذا أراد الإنسان ذلك فليعمل قائمة ويشير على ما عنده من جنود العفل ويستكمل ما ليس عنده وفي جنود العقل التي عنده يحاول أن ينتقل من الدرجة الدانية إلى الدرجة التي هي أعلى منها . ( ويتخلص من جنود الجهل فعند ذلك يكون في الدرجة العليا مع الأنبياء والأوصياء عليهم السلام وفقنا الله لطاعته ) وهنا نكمل بعض ماعدده عليه السلام من جنود العقل وجنود الجهل فالإمام يأتي بصفة من جنود العقل وأخرى مقابلها من جنود الجهل لكي تعرف صاحبك وتبعد عدوك . فيقول عليه السلام ( من جنود العقل التواصل وضده القطيعة ) فالإنسان الذي عنده صلة لأرحامه ولأصدقائه ولسائر الناس هذا من جنود العقل وفي مقابل ذلك القطيعة
فيقطع لأتفه الأسباب يقطع رحمه أو صديقه أو جاره . فهو مع صديقه مثلًا طوال عشرين سنة وغلط عليه غلطة واحدة فباع هذه العشرين سنة وقطعه بينما كان الأولى أن يغفر له هذه الخطيئة بعشرين سنة من العلاقة الحسنة وهكذا بالنسبة لأهله فلو تكلمت عليه بكلام غير طيب فيبيعها بكلمة ولا يحفظ هذه السنوات الطويلة من الصلة الحسنة . ( والقناعة من جنود العقل والشره في مقابلها ) فيكون الإنسان طماع يمد عينه هنا وهناك ويرى نعم الآخرين ولا يرى نعمة الله عليه ، فمن الممكن أن يكون لديه أولاد وانسجام داخل بيته وأولاد بارين ... والخ وجاره لا يملك هذه الأشياء لكنه يملك سيارة حديثه فتراه يشره إليها ويمد عينه إلى شيئٍ آخر فحالة الشره والطمع مقابل القناعة .
المواساة من جنود العقل والمنع من جنود الجهل فتواسي غيرك مما تملك وهذا نقرأه في دعاء شعبان ( وارزقني مواساة من قترت عليه من رزقك بما وسعت علي من فضلك ( فلا تمنع غيرك مما تفضل الله به عليك في أي نحو من الأنحاء مال أو غيره . ومن جنود العقل أيضًا المودة وضدها العداوة ، فالبعض يكون سباق للعداوة فيعادي هذا لاختلافه معه في الدين ويعادي ذاك لاختلافه معه في المذهب ويعادي ذاك لاختلافه في المرجع وآخر لاختلافه في المسجد .... بينما الإنسان العاقل ينبغي أن يكون لديه المودة قدر الإمكان ما لم يمنع مانعٌ شرعيٌ . الوفاء من جنود العقل والغدر من جنود الجهل . فبعض الناس مثلًا يصف المنصور العباسي بأنه الحاكم الحازم بينما سيرة حياته كانت