رأس الآفات التولع بالذات
كتابة الفاضلة أم سيد رضا
جاء في كتاب غرر الحكم ودرر الكلم عن أمير المؤمنين عليه السلام قوله: (رأس الآفات الوله باللذات)، هذه الحكمة هي من جملة ما يزيد على عشرة آلاف حكمة وكلمة قصيرة جمعها أبو الفتح الآمدي رحمه الله المتوفى سنة ٥١٠ للهجرة في كتابه غرر الحكم. في نظرة عابرة الكلمات المختصرة وهي التي تسمى بالحكم في اصطلاحهم نجد أن جزء من نهج البلاغة هو في الحكم، ففي نهج البلاغة خطب ورسائل وحكم، ونجد أن هذا العالم الجليل وهو أستاذ ابن شهراشوب المازندراني أبو الفتح الآمدي جمع من كلمات أمير المؤمنين وحكمه وقصار كلماته حوالي عشرة آلاف وسبعمئة وخمسين كلمة وحكمة ثم رتبها على حروف المعجم، ثم جاء آخرون وصنفوا هذه الحكم على أساس المواضيع فمثلاً أبواب العلم قاموا بجمع الكلمات والحكم فيها
وهكذا، فأصبحت شيئاً جميلاً بحيث لو أن إنساناً أراد أن يقرأ ما قاله أمير المؤمنين عليه السلام في عنوان الشهوة مثلاً فسيجد عشرات الأحاديث والكلمات المختصرة عنه صلوات الله وسلامه عليه في هذا الكتاب المسمى (تصنيف غرر الحكم). في جهة أخرى نجد أن الكلمات القصيرة أو ما يسميها هنا غرر الحكم فيها ميزة هي نفسها التي توجد في الأمثال، فالأمثال التي تدور في المجتمع بين الناس هي عادة أمثال قصيرة لكنها تحوي معاني كثيرة وتجارب ولذلك تتناقل بسهولة، كذلك بالنسبة للحكم كقوله عليه السلام: (قيمة كل امرئ ما يحسن) فهي فقط أربع كلمات ولكن عندما تنفذ إليها ترى فيها بحراً من المعاني وهو أنه ليست قيمة الإنسان بشكله وجماله ولا بثيابه ولا بنسبه وعرقه كما يرى قسم من الناس بأن
قيمتهم فيما يقتنون من سيارة أو منزل أو حقيبة أو رصيد، فهنا امير المؤمنين عليه السلام يوضح بأن قيمة الإنسان هو ما يحسن من كفاءاته وقدراته وفائدته ونفعه وهذه الأمور هي التي تعين قيمته في هذه الحياة. حديثنا سيكون من هذا الكتاب (غرر الحكم) للآمدي وهو من كبار الشيعة ومحدثيهم ويعتبر من المتقدمين في سنة ٥١٠ للهجرة أي بعد فترة الغيبة الصغرى بشيء بسيط. يقول أمير المؤمنين عليه السلام: (رأس الآفات الوله باللذات) تعبير رأس هو حري بالإهتمام، قرأنا قبل ذلك: (حب الدنيا رأس كل خطيئة) أو في كلمة أخرى: (رأس الحكمة مخافة الله عز وجل) نجد تعبير رأس في عدد من الأحاديث فالرأس فيه جهتان: الجهة الأولى: هي الجزء الأظهر في البدن فأول ما تواجه إنسان تنظر إلى رأسه
لأنه أظهر وأوضح شيء فيه ويعرِّف بهذا الشخص، الجهة الثانية: هو تعبير عن مكان التأثير والتأثر أي أنه كمركز قيادة فسبب الشيء ونتيجته تكون في الرأس ولهذا نجد أن الروايات والأحاديث تستفيد من هذا المعنى، إما لأن الرأس هو أوضح شيء وأعظمه أثراً أو لأنه سبب سائر الأمور، ولهذا عندما يقول: حب الدنيا رأس كل خطيئة أي أن منبع الخطايا وسببها هو حب الدنيا. هنا أيضاً نجد أن الوله باللذات هو رأس الآفات فلذة الإنسان المختلفة هي أمر من الله سبحانه وتعالى غرز في البشر كاللذة بالطعام أو الجنس الآخر، فلو وجدنا أن أحدهم لا يلتذ بالطعام ولا يشتهيه من الممكن أن حياته لا تستقيم، ولو فرضنا أن أحدهم لا يلتذ بالجنس الآخر فقضية التوالد والتكاثر والتناسل سوف تتعطل عنده
وهكذا، فأصل وجود اللذة عند الإنسان والتذاذه بها أمر فطري بل ضروري لاستقامة واستمرار الحياة البشرية. المشكلة التي تحدث عند الإنسان أنه يحتاج إلى ضوابط إما أخلاقية بغض النظر عن الدين كما هو موجود عند قسم من الناس، فقبل بعثة الأنبياء أو في الأماكن البعيدة يوجد أناس ضبطوا التذاذهم وشهواتهم بعقلهم وبالتالي استطاعوا أن يوقفوا الإقبال على اللذة بأكثر ما يمكن، لكن هذا أمر نادر فالوقوف أمام التمادي مع اللذات أما أن يكون له جهة دينية تنتهي إلى التخويف بعقاب الله عز وجل والترغيب في ثوابه فيترك الإنسان هذه اللذة، كالجنس المحرم فيه لذة لكن لو تركه الإنسان فسيحصل على الحور العين في الجنة ويحصل على لذة محللة في الدنيا وينجو من عقوبة أخروية، فلابد من وجود جهة دينية يتأثر