خطاب العقيلة زينب: الاستشهاد بالقرآن
كتابة الفاضل علي السعيد
من خطبة لسيداتنا ومولاتنا العقيلة زينب سلام الله، خطبتها أمام الطاغية يزيد وأعوانه، قالت: "بسم الله الرحمن الرحيم ﴿ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوأَىٰ أَن كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِئُونَ﴾[ الروم: ١٠]، أظننت يا يزيد حيث أخذت علينا أقطار الأرض وآفاق السماء، فأصبحنا نُساق كما تُساق الأُسارى، أنَّ بنا على الله هواناً، وبك عليه كرامة، وإنَّ ذلك لعِظَمِ خَطَرِكَ عنده، فشمَخْتَ بأنفِكَ، ونظرت في عطفِك، جذلان مسروراً، حين رأيت الدنيا لك مستوسقة، والأمور متَّسقة، وحين صفا لك ملكنا وسلطاننا، فمهلاً مهلاً، أنسيت قول الله تعالى: ﴿وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِّأَنفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُواْ إِثْمًا وَلَهْمُ عَذَابٌ مُّهِينٌ﴾ [آل عمران: ١٧٨]"، صدقت سيدتنا ومولاتنا العقيلة زينب صلوات الله وسلامه عليها. هذه الأيام تصادف رحلة العودة
من الشام إلى كربلاء، فإنه يفترض أنهم بعدما بقوا أسبوعا من الزمان، وقد دخلوا الشام كما يقول المؤرخون في اليوم الثاني من شهر صفر سنة ٦١ هجرية، يفترض بعد هذا الأسبوع أن يأخذوا طريقهم إلى كربلاء، ففي اليوم العاشر أو نحوه خرج الركب الحزين من الشام إلى كربلاء، ولكن على غير الطريق الذي جاؤوا منه، بل هو على الطريق المعروف بوسط بادية الشام، ولذلك أيضا اختصرت مدة هذا الطريق، بينما كانت عند الذهاب باعتبار عدد من المنازل، والطريق الذي على المياه، وقضايا التفرج، كان ذلك الطريق قد أخذ منهم قرابة ١٨ يوما أو نحو ذلك، هذا الطريق الآخر لم يأخذ منهم سوى ٩ إلى ١٠ أيام. بطبيعة الحال كان بقاؤهم في الشام من أصعب الفترات من حيث الألم النفسي، وما
يتبع قضية السبي من التفرج، والشماتة والغربة وما شابه ذلك، حتى بلغ الأمر أقصاه، مع ذلك فإن العقيلة زينب سلام الله عليها، وابن أخيها الإمام علي بن الحسين عليه السلام، قاما بدور مهم جدا في فضح الأمويين، وكانت خطبة العقيلة زينب من أوضح أنحاء تلك الفضيحة، وهي بمثابة الوثيقة التاريخية التي إلى الآن تقاوم بشدة التزييف الأموية للتاريخ، حيث إننا نجد بعض أتباع المنهج الأموي إلى اليوم ينكرون أصل ذهاب ركب الحسين وحرم الحسين إلى الشام، أصلا لم يذهبوا إلى الشام، لم يُسَيَّروا، وأصلا لم يُرسَل رأس الحسين إلى الشام، كما نرى مثلا في كتب (ابن تيمية)، هذا الأمر بشكل صريح، إنكار واضح، وإنما ما الذي حصل؟ يقول لك الذي حصل، أنه بعدما خرجوا من كربلاء، أمر بتسييرهن إلى المدينة،
وانتهى الموضوع، فهذه الخطبة التي خطبتها العقيلة زينب عليها السلام، ودونتها كتب التاريخ، هي من أهم الدلائل، بالإضافة إلى ما ذكره المؤرخون من غير أتباع النهج الأموي، هذه الخطبة وما احتوت فيه على تفاصيل تاريخية، هي من خير الأدلة على هذا الحدث. هذه الخطبة في تقديرنا لم تنل ما ينبغي من الاهتمام في تشريحها، وفي إظهار معانيها، وفي بيان بلاغتها العالية، صارت هناك شروحات، جزى الله القائمين عنها خير الجزاء، لكن هذه الخطبة فيها من المواضيع المختلفة التي تستحق الدرس والتأمل كثيرا، حتى هذه الليالي كم ليلة إن شاء الله سوف نبقى في رحاب هذه الخطبة، لكي نوضح شيئا مما جاء فيها، مع علمنا بأننا لا نستطيع أن نصل إلى كل أعماقها، وكافة أبعادها، ولكن كما يقولون: (لا يترك الميسور
بالمعسور، وما لا يدرك كله لا يترك جله). أول ما نلاحظه في هذه الخطبة، أنها خطبة جاءت بشكل قوي بليغ، فيها من المعاني العقائدية، فيها من الاستشهادات القرآنية، فيها من بيان الحقائق التاريخية، فيها من نبرة التحدي، ورؤية المستقبل، ما قد لا نجد مثله في سائر الخطب، مع أن النص نص قصير، وتعلمون أن المتكلم في النص القصير محاصر، بخلاف ما إذا كان لديه مجال واسع، فمما يعطي هذه الخطبة الأهمية الكبيرة هي أنها مع اختصارها، حيث إنها حوالي ٣٠ سطرا فقط بالسطور العادية، يعني في صفحة واحدة كما يقولون في هذه الأزمنة، A٤أو فلوسكاب، تحتل كل هذه الخطبة في هذه الأسطر الـ٣٠. أولا: احتواؤها على كل هذه المعاني حقيقة من الأمور الإعجازية، يصعب على غيرها، وهي تنطق كما وصفت