من رحمة الله عز وجل أن أخفاه عنا، لو أنت وأنا ندري من الآن إلى سنة، ماذا سيحدث علينا، من الممكن أن تكون حياتنا من أتعس الحيوات، سيسرق مني كذا، سوف يفصلوني في يوم كذا، سيعتدى عليَّ في يوم كذا، لا يستطيع الإنسان أن يعيش باسترخاء وبراحة، فقد يكون من رحمة الله بنا، لأننا لا نتحمل، قلوبنا لا تتسع، نفسياتنا لا تستطيع أن تسيطر، لذلك أخفيت عنا الحقائق التفصيلية لما يحصل علينا ولنا، لكن البعض لا، متماسكون كالجبال، لو يُحَمَّل معلومات وعلوم وكذا مهما كانت، لا يتغير عليه الحال، حبيب بن مظاهر فيما ورد في الروايات كان يعلم بطريقة مصرعه، وبأنه ماذا؟ سيصبح رأسه كذا، وبأنه في أين، ومتى يقتل، هذا بحسب ما ورد من الروايات، وصول الإنسان إلى هذه
المرتبة ينبغي أن يكون حائزا على درجات عالية، منها أنه كان رضوان الله تعالى عليه بمثابة اليد اليمنى لمسلم بن عقيل عندما جاء إلى الكوفة، حتى إذا استشهد مسلم اختفى لأنه واحد من أوائل المستهدفين بالقتل من قبل عبيد الله بن زياد كان حبيب بن مظاهر، وكان يجب عليه أن يخرج إلى كربلاء سريعا وإلى الآن الحسين لم يصل أو يختفي في الكوفة حتى يقضي الله ما هو قاض، وبالفعل بهذا الشكل حدث، أنه بقي في الكوفة، لما وصل إلى كربلاء أيضا يظهر أنه بحسب الروايات وصل في اليوم الخامس من شهر محرم، الإمام الحسين وصل كربلاء في اليوم الثاني من محرم، حبيب وصل إلى كربلاء في اليوم الخامس، وفي نفس اليوم في الليل استأذن الحسين أن يذهب لكي يقنع
حيا من بني أسد كانوا قريبين من الغاضرية أن ينضموا إلى الحسين، وأن ينصروا الحسين، لعلنا أشرنا في بعض الأماكن إلى هذا المعنى، فذهب إليهم وحدثهم وخطب فيهم وحرضهم على أن يلتحقوا بالحسين عليه السلام، ولكن أحد المنحرفين انسل في هذه الأثناء، وذهب إلى عمر بن سعد وأخبره، هناك في المجتمع أناس مثل حبيب بن مظاهر، وهناك أناس مثل هذا الخائن، فذهب وأخبر عمر بن سعد، فجرَّد حملة على هذه الجماعة، وقال لهم يجب أن تغيروا مكانكم من هنا وتنزحوا إلى بعد مسافة ثلاثة أو أربعة كيلومترات، وإلا نقاتلكم، وبالفعل هكذا حصل، ولذلك فيما بعد لما صارت قضية تغسيل الإمام الحسين جاؤوا من مكانهم البعيد الذي أجبروا على النزوح إليه، هذا أيضا كان من أدوار مسلم بن عقيل أنه حشد
ذلك الحي، ولولا الخيانة التي قام بها ذاك الرجل لكان التحق هؤلاء بالإمام الحسين عليه السلام، وهكذا كان حبيبا هذا الرجل في هذا المستوى من العظمة، ذكر أرباب الخبر أن حبيبا جاءته رسالة الحسين عليه السلام في الكوفة لكي ينتقل إلى كربلاء، وأن يناصر الحسين عليه السلام، فلما قرأ رسالة الحسين قَبَّلها ووضعها على عينيه، يقول بعض الخطباء هنا أن زوجته سألته عما يصنع، وماذا يريد، وما هو صانع، فأراد أن يخفي عنها، وأن يعَمِّي عليها خبره خوفا من أن تمنعه، يا حبيب هذه امرأة تقتدي بزينب عليها السلام، وتوالي فاطمة الزهراء عليها السلام، إن لم تشجعك فلن تمنعك قطعا، ولكن هكذا فعل، فأخذت كما قالوا تلطم على خدها، وتقول دعنا نأكل التراب، وانهض إلى نصر ابن بنت رسول الله،
وبَيَّض وجوهنا أمام جده رسول الله، فخرج حبيب يتخفى بين المزارع، ويسلك الطرق غير المأهولة إلى أن وصل إلى كربلاء، عمت حالة من الفرح والاستبشار في كربلاء بين الأصحاب