نعيم الجنة في القرآن ١

اليمين لا يمكن أن يوصلني إلى اليسار والعكس حين يختار جهة اليسار لا يوصله لليمين . وقد ذكر القرآن الكريم في آياتٍ كثيرةٍ هذا المعنى وبين أنه ليس من العدل أن يجعل المسلمين كالمجرمين ( أفنجعل المسلمين كالمجرمين ، ما لكم كيف تحكمون ) فهل من العدل أن شخصًا من الأولياء ومن المؤمنين ينفق عمره بالكامل في طاعة الله عز وجل يذهب إلى نفس المكان الذي يذهب إليه شخصًا آخر قضى عمره بالكامل في تحدي الله عز وجل والكفر بالله ومعصيته ؟ فكيف يتوافق عدل الله مع هذه النتيجة ؟ وهذا ينطبق حتى على حياتنا العامة فلو فرضنا مدير شركة لديه عاملان أحدهما يعمل بإخلاص وبجد وبتفان والآخر قد يأتي يوم في الأسبوع وفي هذا اليوم يأتي نصف ساعة ويوقع

ويخرج ثم يريد أن يستلم في نهاية الشهر نفس الراتب الذي تعطيه الأول . فهل هذا من العدل والإنصاف والقانون ؟ فلو حدث هذا لك فستشعر حتمًا بالحزازة وعدم الإنصاف والظلم . فصفات الله متكاملة ، فلو رحم رحمةً عامة جاحديه ومنكريه والفاسقين والمعاندين لكان ذلك خلاف العدل والرحمة لا تقتضي هذا بل بالعكس هذا ليس فيه رحمة ، فلو كنت أعلم أن النتيجة واحدة فلن أعمل ولن أصلي فلماذا أصلي والحال أن من لا يصلي سيدخل الجنة ومن لا يصوم سينعم . فكأن الباري عز وجل لو قرر هذا فهو يدعو الناس إلى الكفر به وإلى ترك طاعته . وفي هذا إغراءٌ بالكفر والفسق ولا يتمشى من الله سبحانه وتعالى . النقطة الثانية : فيما يرتبط بعذاب أهل النار

وقد ذكرها بعض أهل العرفان الخاطئ ، فقالوا أن الكافر يعذب بمقدار سبعين سنة مثلًا وهي سنوات كفره وبعدها يألف العذاب حسب قولهم بل بعضهم قال أنه يستمتع بهذا العذاب بعد أن يتكيف جسمه مع العذاب فيستوحش إذا فارقه هذا العذاب ، وهذه الفكرة التي ذهب إليها بعض علماء المسلمين من أهل التصوف والعرفان الكاذب إلا أنها مخالفةً قطعًا لآيات القرآن الكريم التي تؤكد على الخلود في العذاب وأنه لا يفتر عنهم وأنه كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودًا غيرها ليذوقوا العذاب . وهذه الفكرة ليس لها دليل لا من القرآن ولا من الأحاديث وإنما هي انبعاثات فكرية باطلة تفوه بها بعض أدعياء العرفان وبعض أهل التصوف وهؤلاء لهم من الشطحات ما تكون هذه الفكرة بالنسبة لها شيء بسيط . فالحق

ما قاله سبحانه وتعالى ( كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودًا غيرها ليذوقوا العذاب ) ويقول أيضًا ( لا يفتر عنهم ) وأصل فكرة الخلود في العذاب كالخلود في الجنة ، فالخلود في الجنة إكرام وإنعام وتلذذ واستمتاع مستمر وليس بأن يستمتع سبعون سنة مثلًا ثم يشعر بالملل والتعود ، وإنما هي حالة نعيم دائم مقيم مستمر والتأكيد على الخلود في الجنة والنار من الأمور الثابتة . فأهل النار يقولون لمالك ( ليقضِ علينا ربك ) قال : ( إنكم ماكثون ) . فلو تعودوا على العذاب وتكيفوا معه فلن يطلبوا من مالك أن يدعو ربهم ليقض عليهم لأنهم سيكونون في راحة . بل لا يخفف عنهم العذاب . النقطة الثالثة : لعل البعض يثير سؤالًا : أن الإنسان يذنب سبعون

أو ثمانون سنة فكيف يعذب مدة مليار سنة فكأنه في ذهن الإنسان أن هذا لا ينبغي أن يكون . قدمت عدة أجوبة لهذا السؤال ذكر بعضها الشيخ ناصر مكارم الشيرازي في كتابه نفحات القرآن . الجواب الأول : هو أنه حين يجعل الإنسان في ذهنه فكرة مسبقة وهي أن الذنب يساوي عقابه هذا المقدار هذا خطأ . فمن أين جئت بالقانون الذي يقول أن الإنسان إذا أذنب سنةً يعاقب سنة ؟ فنحن نرى في كثير من الأحيان أن الذنب لا يتعلق بالزمن وإنما بكيفيته ، فعندما يأتي شخص ويقتل آخر بسكين مثلًا ويقتله ، كم من الوقت استغرق هذا الذنب ؟ ممكن خمس أو ثلاث أو طلقة واحدة بالرصاص لا تستغرق دقيقة واحدة ، لكن هذا عقوبته حتى عند الناس

مشاركة عبر:
الشيخ فوزي آل سيف

عدد المواد المنشورة: ٣,٠١٠

أرشيف الكاتب
البحث في الموقع
الأكثر قراءة