مقام الشفاعة
كتابة الفاضلة ليلى الشافعي
قال الله العظيم في كتابه الكريم : ( ولسوف يعطيك ربك فترضى ) حديثنا يتناول مقام الشفاعة بعد الحساب في يوم القيامة . فيفترض أنه بعدما تنشر الصحف والكتب ويتعين كل إنسانٍ في مصيره عارفًا بما عمل من خيرٍ أو سوء ويكون حينها الاتجاه نحو المصير النهائي من الجنة أو النار ، هنا يأتي مفام الشفاعة فيغير مصائر قسمًا من الناس بعدما كان بحسب قواعد الحساب الأصلية من أهل النار أو أن يبقوا فيها لفترةٍ من الزمان بحسب الحسابات واستحقاق العقاب على كل سيئةٍ من السيئات ، قد يكون هناك جماعة بحسب هذه القواعد يكتب لهم أن يذهبوا إلى نار جهنم . هنا يأتي عاملٌ من العوامل التي تغير المصائر وهي عوامل متعددة ، الآن نحن نتحدث عن عامل الشفاعة
، شفاعة النبي محمد وأهل بيته الطاهرين والأنبياء والأوصياء والصلحاء من المؤمنين كلٌ بقدره وبحسابه ومنزلته . فيمكن لهذه الفئات التي أذن لها بالشفاعة أن تغير مصير الإنسان من كونه من أهل النار إلى أن يصبح من أهل الجنة . أولًا : - ماهي الشفاعة ؟ وماذا تعني ؟ - وماهي الأدلة عليها ؟ - ولمن الشفاعة ؟ - ومن يُشفع له ؟ - ومن يستثنى من الشفاعة ؟ الحديث تارةً يكون حديثًا عقائديًا وكلاميًا وأخرى فيما يرتبط بالعالم الباقي وسوف ندمج بين الأمرين . كلمة الشفاعة مصدرها من الفعل شفع على وزن نفع معنىً وصيغةً والشفع عبارة عن انضمام شيءٌ إلى شيء بحيث ينتفع أحد الشيئين من الآخر فيشفع القوي للضعيف فيقويه ويعلي من قيمته وينميه وهذا نجده حتى
في الطبيعة كما يقول العلماء أن نظام التكوين قائمٌ على أساس شفاعة الأشياء القوية الكبيرة للصغيرة في تقويتها ، فلو جئت مثلًا إلى ميدان الزراعة فهذه البذرة التي تضعها في الأرض لولا أنك تضم إليها الماء وتشفعها بالماء وتجمع الماء إليها لما أمكن لهذه البذرة بقوتها الذاتية أن تتحول إلى شجرة وتضم إليها أيضًا ضوء الشمس بحيث هذا الشافع القوي وهو الشمس يعطي لهذه البذرة نحوًا من أنحاء القوة فيحولها إلى شجرة ، فهذا الضم والجمع بين شيئين في الطبيعة ينتهي إلى تنمية هذه البذرة ووصولها إلى كمالها وهو الشجرة . بل حتى في التربية لولا أنك تضم قوتك وتشفعها إلى قوة صغيرك لبقي هذا الصغير غير قادر فتضم له قوتك ليمشي بالتدريج إلى أن يستقوي ويمشي بنفسه . تضم
قدرتك اللغوية له وتعلمه الكلمات فيتحول بعد ذلك إلى ناطقٍ فصيح ، وعلى هذا المعدل ، وبدون ذلك ربما كان هذا الطفل لا يتعرف على طريقة المشي الصحيحة ولا ينطق نطقًا سليمًا لأنه لم يُشفع بمؤثرٍ قويٍ وهكذا وعلى هذا المعدل في عالم التكوين والخلق لولا وجود شيءٌ قويٌ إلى جانب الشيء الضعيف لما وصل ذلك الشيء الضعيف إلى قوته وإلى كماله . وفي عالم التشريع نفس الكلام أنه في يوم القيامة هذا الشفيع المؤثر صاحب المنزلة والكرامة عند الله عز وجل يضم من قوته إلى ضعفك ومن منزلته العالية إلى منزلتك الأدنى منها فتقوى بذلك أنت وتقوى منزلتك ويكفر عن ذنبك . وهذا تقريب فقط إلى معنى الشفاعة . وكمبدأ من المبادئ الإسلامية يتفق المسلمون تقريبًا جميعًا على أصل
الشفاعة مع اختلافٍ في بعض تفاصيلها . فمثلًا هناك من نسب إليهم من المسلمين أن الشفاعة لا تكون بمعنى تكفير الذنوب ومحو السيئات وإنما هي بمعنى زيادة الدرجات وارتفاع المنزلة ، فيشفع الشفيع في هذا الإنسان فترفع درجته ، أما إذا كان مرتكبًا لكبيرة من الكبائر فلا يمكن أن يشفع فيه . وهذا الرأي إن كان صحيحًا المنقول عنهم فهم محجوجون بآيات القرآن الكريم التي فيها إطلاق كامل لكل أنحاء الشفاعة من رفع الدرجة وغفران السيئة وتكفير الكبيرة ، فالآيات المباركة فيها إطلاق يشمل كلا الموردين . وأما من حيث ما يراه الإمامية وسائر المسلمين غير الفئة التي ذكرناها فإنهم يقولون كلتا المنزلتين لها شفاعة حاصلة من رفع الدرجات وأيضًا ما يرتبط بتكفير السيئات وغفران النوب وسترها ومحو أثرها بحيث