محمد ابن مسلم الثقفي الطائفي - من الطائف - والذي كان من أعاظم أصحاب الإمام الصادق عليه السلام، ومن الفقهاء الكبار في زمانه. وكان أيضا من خلص أصحاب الإمام الباقر عليه السلام، وقد أوصى الإمام الصادق عليه السلام بعض من سأله في حال كانت لديه مسائل فمن يسأل، فرد عليه: ما يمنعك من محمد ابن مسلم الثقفي، فإنه كان خصيصا بأبي، وعنده منه علم كثير.. من جملة ذلك ما رواه هو محمد ابن مسلم عن الإمام الصادق عليه السلام: لا يسأل في القبر إلا من محض الإيمان محضاً، أو محض الكفر محضاً، فقلت له: فسائر الناس؟ فقال: يلهى عنهم هذا المعنى وردت فيه روايات متعددة أنه ليس كل الناس يُسألون في البرزخ وإنما: ١) ذلك الإنسان الذي بلغ درجة عالية
من الإيمان ومحض الإيمان محضا في عقائدهم وطبقوه تطبيقا عمليا بحيث تميزوا عن غيرهم (شهداء، علماء كبار، أبرار، أتقياء … الخ) وفي الطرف المقابل: ليس كل المقصرين يُسألون وإنما: ٢) من محض الكفر محضا.. من آذى خلق الله، وجحد آيات الله أو من تتبع أولياء الله بالقتل والتنكيل والأذى والعذاب.. إلخ. لماذا الاقتصار على هذين الصنفين؟ يجيب على ذلك أصحاب القول الثاني أنه: لميزة في كل منهما، لو أنه أنا أيضا مثلي وأمثالي مؤمن، ولكن كما يقال (على الحافة) أي باقي ١/٢ درجة وأسقط في الامتحان. لا أملك ذلك الإيمان المحض في الاعتقاد ولا في العمل. فلو أتو بمثل هذا المؤمن (الذي لا يملك الإيمان المحض) وسألوه هذه الأسئلة المختصرة: من ربك، و من نبيك؟ ما دينك؟ من إمامك؟ ما
كتابك؟ وأجاب على الأسئلة بنجاح بالتالي يتنعم في الجنة البرزخية إلى يوم القيامة. وفي المقابل، جاءوا بأبي طالب (مؤمن قريش) الذي تحمل الكثير من الأذى والعذاب والمشاكل لحماية الدعوة والرسالة، والذي إلى يومنا هذا يشتم ويُسب ويذم ويكفر. أيضًا الشهداء - في الرواية عندنا - "كفى ببارقة السيوف فوق عنقه فتنة. زين؟ ما يحتاج هذي إلى فتنة"، فهو لايحتاج لفتنة ولا امتحان، السيف وحده اختبار لهم. فهؤلاء الذين عاشوا حياتهم متمسكين بالدين، بالإيمان مع شدة الظروف وقسوتها، فمحضوا الإيمان، فهل يعقل أن نجعل لهذا الصنف أي من محض الإيمان محضا جنة برزخية، ومثلي وأمثالي أيضا جنة برزخية! فما هي المزية لهم هنا وأين الكرامة التي أكرمهم الله بها؟ مثل الشهداء، والحوارين، وخلص أصحاب النبي (ص) وأمير المؤمنين (ع). مثل أصحاب
الحسين عليهم السلام، وعليه السلام. ماهي ميزة هؤلاء؟ وكذلك إذا أتينا بآل فرعون الذين أفسدوا في البلاد، وجعلهم الله في النار، وأتينا بشخص آخر مقارف لبعض الذنوب وكذلك وضعه في النار. أين العقوبة الاستثنائية هنا لآل فرعون؟ لايوجد عقوبة استثنائية. يقول أصحاب هذا الرأي: فلأجل أن يكون هناك مائز (كمائز الكرامة) في من محض الإيمان. و(مائز الإهانة) في من محض الكفر، يُسأل هؤلاء، ويُسأل هؤلاء، فيرزق هؤلاء جنة برزخية، و يدخل أولئك نارا برزخية. لاحظوا مثلا. قول الله عز وجل في آل فرعون: (أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ) يوم القيامة، في حين أن (النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا ۖ) يكون في عالم البرزخ. لتبسيط المثال بالنسبة لمائز الكرامة: في المطار هناك صالة انتظار، البعض يُعطى بطاقة VIP لخدمات خاصة، والبعض
يكون في صالة عامة. الانتظار هو نفسه، والوقت نفسه، لكن من يملك بطاقة VIP سيكون لديه ضيافة وتكريم خاص. هكذا هو عالم البرزخ .. هو عالم انتظار قد يطول إلى ألف، عشرة آلاف أو أكثر أو أقل من السنوات. فقط هذا الذي محض الإيمان يعطى بطاقة VIP ويقال له تفضل تنفس نعيم الجنة، وأطل على الجنة، هذا موضعك يوم القيامة. في الرواية (نم قرير العين، نبشرك بالجنة إلى حين تدخلها)، وأما ذاك - نعوذ بالله - يكون في انتظار (إهانة) . هذا الرأي الثاني، وقد حملوا الروايات العامة على هذا المورد، حتى إذا قال مثلا في رواية (القبر إما روضة من رياض الجنة، أو حفرة من حفر النيران). فالمقصود بالنسبة إلى هذين الصنفين فقط، وأما باقي الناس فتؤجل ملفاتهم إلى