الموت وقبض الروح

الموت وقبض الروح
00:00 --:--

الموت وقبض الروح

كتابة الفاضلة رائدة العبيدي

من كلامٍ لسيدنا ومولانا أمير المؤمنين صلوات الله وسلامه عليه وهو يصف حاله موت الإنسان فقال : ( فغير موصوف ما نزل بهم، اجتمعت عليهم سكرة الموت، وحسرة الفوت. ففترت لها أطرافهم، وتغيرت لها ألوانهم، ثم أزداد الموت فيهم ولوجاً، فحيل بين أحدهم وبين منطقه، وإنه لبين أهله ينظر ببصره، ويسمع بأذنه على صحة من عقله، وبقاء من لبه، يفكر فيم أفنى عمره، وفيم أذهب دهره! ويتذكر أموالاً جمعها ، أغمض في مطالبها، وأخذها من مصرحاتها ومشتبهاتها، قد لزمته تبعاتُ جمعها، وأشرف على فراقها، تبقى لمن وراءه ينعمون فيها، ويتمتعون بها، فيكون المهنأ لغيره، والعبءُ على ظهره، والمرء قد غلقت رهونه بها، فهو يعض يده ندامةً على ما أصحر له عند الموت من أمره، ويزهد فيما كان يرغب فيه أيام

عمره، ويتمنى أن الذي كان يغبطه بها ويحسده عليها قد حازها دونه، فلم يزل الموت يبالغ في جسده، حتى خالط سمعُه، فصار بين أهله لا ينطق بلسانه، ولا يسمع بسمعه، يردد طرفه بالنظر في وجوههم، يرى حركات ألسنتهم، ولا يسمع رجع كلامهم، ثم ازداد الموت التياطاً، فقبض بصره كما قبض سمعه، وخرجت الروح من جسده، فصار جيفة بين أهله، قد أوحشوا من جانبه، وتباعدوا من قربه، لا يسعد باكياً، ولا يجيب داعياً، ثم حملوه إلى محط في الأرض، فأسلموه فيه إلى عمله، وانقطعوا عن زورته).ٍ شرح نهج البلاغة - ابن أبي الحديد – ج٧ – ص ٢٠١ نهج البلاغة - خطب الإمام علي عليه السلام – ج١ – ص ٢١٢ صدق سيدنا ومولانا أمير المؤمنين صلوات الله وسلامه عليه .

• حديثنا باذن الله تعالى يتناول موضوع الموت وقبض الروح . يذكر مولانا أمير المؤمنين عليه السلام في هذه الخطبه صورة هي أكثر الصور شيوعاً عند الناس في عالم البشر ، وبالتالي قد لا تنطبق هذه على بعض الصور الخاصة من الموت مثل : الموت في المعارك أو الموت في الحوادث المفاجئه وأمثال ذلك . وإنما تتناول هذه الصوره التي هي أكثر الصور شيوعاً في عالم الإنسان وهي إن الانسان في العاده بعد أن يكبر في العمر تتوارد عليه الأمراض والأسقام ، فيصل إلى سن يقترب فيه من الموت. فهو يكون عادة رهين الفراش ، إما في المستشفى وإما في داخل داره بين أهله ، فيصف الإمام علي عليه السلام هذه الصورة وهي كما ذكرنا أكثر الصور شيوعاً . ويلاحظ

فيها أن هذه الصورة تناقش أمر اختراق الموت لحياه الإنسان ، وما يترتب على ذلك في الإنسان من حالات نفسيه كحسرة الفوت ، إضافه إلى حالات بدنيه عندما تتعطل الأعضاء والجوارح بالتدريج ، وتنتهي إلى أن تفارق الروح الجسد . يقول عليه السلام : (اجتمعت عليهم حسره سكره الموت وحسره الفوت ) هنا أمران ، سكر’ الموت هي حاصلة بالنسبة إلى كل الناس لكنها بالنسبة إلى الإنسان المؤمن كما سيأتي هي شيء هين ، لو أردنا أن نمثل مثالاً لذلك : أن تجرح يدك بجرحٍ له أثر طبيعي ، هذا مقدار من الألم لابد أن يحصل، عبارة عن تمزق الجلد وخروج دم ينتهي ذلك إلى مقدار ولو بسيط من الألم ، طبيعة الإنجراح تؤثر هذا الأثر . لكن بعض الأحيان

جروح معينة إما على أثر عمقها أو على أثر تلوث شديد يحصل من جرائها ، في ذاك الوقت يصير الألم ألم مضاعف وشديداً جداً ويصعب على كثير من الناس أن يتحملوه. أمير المؤمنين عليه السلام يقول: هؤلاء اجتمعت عليهم سكر’ الموت . إذا صار بالنسبة إلى الكافر و إلى الجاحد سيأتي فيما بعد إن هذا الأمر شيء شديد جداً، وُصِفَ في بعض الروايات كالنشر بالمناشير والقرض بالمقاريض ، ومثل ما إذا سيخ محمي جداً يكون في وسط الصوف كيف يكش الصوف تماماً فيه ، كذلك بالنسبة إلى من يكون كافراً جاحداً، سكرة الموت بالنسبة إليه شيء مضاعف. الذين كفروا لو ترى حالهم إذ هم في سكراته وغمراته شيئاً كبيراً جداً ، بالنسبه إلى الإنسان المؤمن لا سيأتي بعد ذلك .

مشاركة عبر:
الشيخ فوزي آل سيف

عدد المواد المنشورة: ٢,٩٦٢

أرشيف الكاتب
البحث في الموقع
الأكثر قراءة