مقدمات في التعامل مع معارف الآخرة
كتابة الفاضلة أم جواد
يقول الله تعالى: (وما أوتيتم من العلم إلا قليلا) من هذه الآية المباركة ننطلق للحديث حول مقدمات للتعامل مع معارف الآخرة، كيف نعرف هذا العالم الباقي وما الذي سيجري فيه وماذا سنواجه، من الطبيعي أن كل انسان حين يريد أن يقطن مكان ويسكن فيه أنه يحاول التعرف على بيئة ذلك المكان تضاريسه الجغرافية، طقسه، مافيه من مسرات ومكدرات، حتى يتعامل مع ذلك المكان من خلال المعرفة، هذا إذا كان سيسكن فيه برهة قصيرة من الزمان، من الطبيعي أن الانسان عندما سيحل في دار القرار كما يقول عنها القران الكريم "وما الحياة الدنيا إلا متاع وإن الاخرة هي دار القرار" من الطبيعي بل من اللازم على الانسان أن يسعى للتعرف على أجوائها، لاسيما وهي ليست انتقالة سلسة وسريعة إلى ذلك العالم،
هي انتقالة تمر عبر بوابة الموت ثم فترة البرزخ (ومن ورائهم برزخ إلى يوم يبعثون) والله العالم كم من المدة الزمنية تستغرق هذه الفترة ثم بعد ذلك قضية الحشر والنشر والحساب ونتيجة ذلك أن يتفضل الله بكرمه عليكم وعلينا إن شاء الله بالجنة أو أن يدخل العاصين إلى نار جهنم، فهي انتقالة ليس كما ينتقل الانسان من مدينة لمدينة ومن بلدة لبلدة يحمل متاعه وأسبابه وينزل في منزل جديد، وإنما أمام ذلك مراحل وعقبات وقضايا مختلفة. من هنا ينبغي للإنسان أن يتعرف على ما يرتبط بعالم الاخرة بل ما قبل الاخرة من مرحلة الموت وما بعدها، فماهي مصادر هذه المعرفة التي تعيننا وتفيدنا في هذا المجال؟ ثم كيف نستفيد منها وبأي نحو نفهم هذه المعارف؟ من أين نحصل على معرفة
بهذه القضايا المستقبلية؟ من الطبيعي أن العلم البشري العادي " الطبيعي" لا مسرى له ولا مسرح له في هذا المجال، يعني لا تستطيع من خلال الفيزياء مثلا أن تكتشف نوعية العذاب، لا تستطيع من خلال الكيمياء أن تعرف قضايا النعيم، لا تستطيع من خلال علم الفلك على سبيل المثال مراحل الموت، لا تستطيع ولا تستطيع وهكذا، لماذا؟ لأن دائرة هذه العلوم هي دائرة مختلفة ومعادلات هذه العلوم معادلات مختلفة، معادلات هذه العلوم ودائرة سيطرتها هي في هذه الحياة الدنيا، ذلك العالم اصل وجوده على معادلات مختلفة تماما، هذا العالم فيه صحة ومرض هناك لا يوجد شيء اسمه المرض، هذه الدائرة فيها هنا تعب وفيها راحة وفيها تغير وفيها تبدل، ذلك العالم لا يوجد فيه مثل ما يوجد في هذه الدنيا
حتى نقيسه بمقاييس هذه الدنيا ونتعرف عليه بعلوم هذه الدنيا، لذلك يحتاج الانسان إلى أن يبحث عن مصدر آخر. التجربة أيضا، التجارب غير متاحة هنا، بأن مثلا تجرى تجارب بمقدار كاف على أناس ذهبوا وعاينوا الموت وعاينوا الحساب وعاينوا الحشر والنشر، عاينوا النعيم والعذاب ثم رجعوا إلينا ونقلوا إلينا تجربتهم، فنجمع الأمور المشتركة ونتوصل لمعارف، هذا الكلام غير موجود، أن يذهب جماعة ويرون كل تلك العوامل ويجربونها مباشرة ثم يرجعون إلينا ويخبرونا عن ذلك، هذا غير ممكن، حتى ما قالوا في بعض الدراسات والتجارب ،وألف كتاب باسم "العائدون من الموت"، هذا لا ينفع في هذا المقام باعتبار أنه يتحدث عن فترة وجيزة ما بين فقدان الوعي في هذه الدنيا لفترة من الزمان وبقاء الروح، الجسد كأنما ميت والروح مستيقظة ثم
ترجع الروح للبدن ويعيش من جديد، هذا لا ينفع فيما نحن فيه، هناك تجارب وكتبوا عنها كما ذكرنا أن أشخاص تعرضوا لضربة في الدماغ أو سقطوا من على جبل أو تعرضوا لاصطدام فكان الوضع كله يشير إلى أن هذا قد توفي لكن بعد فترة من الزمان ترجع الروح إلى بدنه ويتحدث هذا كأن روحي صعدت ورأيت الأطباء ماذا يصنعون والى آخره، هذه أولا هي أعداد لا يمكن أن يقاس عليها ،وثانيا على فرض قبولها هي بمقدار معين وهي فترة ما قبل الموت الحقيقي النهائي، أما عوالم ما بعد ذلك دخول الانسان إلى القبر هذه المدد المتمادية، عالم البرزخ، فضلا عن عالم الحشر والنشر من جديد، وعالم الحساب والموقف يوم القيامة، هذه أصلا لا يمكن الحديث عنها من خلال التجارب والعلم