المفسرين يشيرون إلى أن المقصود هنا خلق لكم أي مما يجانسكم مما تأنسون فيه من أنفسكم، فليس من جنس غريب أو موحش أو ما شابه ذلك. فـ (خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا) خلق للمرأة زوجاً وخلق للرجل زوجاً. كلمة (زوج) في اللغة العربية تأتي للشخصين، يعني يقال للمرأة زوج فتقول مثلاُ فاطمة بنت محمد زوج علي بن ابي طالب، وتقول أيضاً علي بن أبي طالب زوج فاطمة بنت محمد. فالغرض من ذلك لتسكنوا إليها، يسكن بعضكم إلى البعض الآخر، تسكن المرأة إلى الرجل ويسكن الرجل إلى المرأة. لتسكنوا في القران الكريم وردت في موردين: المورد الأول: سكن الإنسان في الليل، الله سبحانه وتعالى (جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ- يعني في الليل- وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ –يعني في النهار-) فهذا السكن
لتسكنوا بهذا التعبير، السكينة والسكن وما شابه ذلك متكرر في القران الكريم، ولكن ما يرتبط بحديثنا في مفردة أن يسكن شيء إلى شيء هو هذا المعنى، وإلا حتى بالنسبة إلى دعاء النبي صلى الله عليه وآله للمسلمين (وَصَلِّ عَلَيْهِمْ ۖ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ) توفر لهم السكينة والسكون، الليل جُعل للخلائق سكناً يسكن فيه المخلوق ويرتاح فيه بدنه وترتاح فيه أعصابه لكي يبدأ يومه وحياته من جديد منطلقاً فيه إلى رزق الله عز وجل، وهذا سواء كان للحيوانات أو كان للإنسان. المورد الثاني: هو أن المرأة سكن للرجل وأن الرجل سكن للمرأة، ويسكن كل منهم إلى الآخر، لتسكنوا إليها هذا أولاً (وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً) هذه العلاقة مثلاً علاقة التزاوج والتناسل في كثير من الحيوانات والكائنات الأخرى تترافق مع خلاف
الرحمة بحيث يحدث هناك قتال ففي بعض عوالم الحشرات والحيوانات قد تقتل الأنثى الذكر وأحياناً بالعكس. يعني هذه العلاقة الخاصة بين الذكر والأنثى، الخاصية التي جعلت بالنسبة إلى الانسان هو أنه (وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً). قالوا المودة: هي تعبير عن الحب، تعبير عن الميل باللسان الحسن بالكلمات المناسبة وبالأفعال التي تدل على ذلك. كالإعانة إلى الطرف الآخر من الإنفاق من العطاء، هذه كلها مظاهر من مظاهر المودة. نلاحظ مثلاً المودة وهي أظهر صور المحبة قد أريد أن يجعلها الإنسان في جهة قربى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَىٰ) لا يكفي الحب وحده وإنما المودة، فالمودة اظهار المحبة (يحزنون لحزننا ويفرحون لفرحنا) هذا من مظاهر المودة. من مظاهر المودة الأتباع والطاعة،
لا معنى أن أحب آل بيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ثم اتبع غير فقههم، هنا أين قيمة المحبة؟! في حين استلم العقائد الإيمانية التي أؤمن بها، أذهب وأأخذ من اليمين والشمال، فأقول نحن نحب آل بيت رسول كيف هكذا يكون؟! أحبهم ولا آخذ من عملهم ولا أطيع أقوالهم ولا أتوجه بتوجيهاتهم، فهذه المودة هناك تقتضي شيء، هنا تقتضي ما يناسبها من العطاء من ابراز هذه المحبة من كل طرف للآخر؛ من الزوج لزوجته ومن الزوجة لزوجها (وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) فإذا تفكروا رأوا أن الله سبحانه وتعالى لكي يخلق ويصنع مجتمع سليم وصالح لا بد أن تكون هذه العلاقة موجودة علاقة المودة والرحمة والسكن حتى تنطبع على البيت والأسرة وحينئذ
يتكون المجتمع من عدة أسر، هذه الأسر فيما بينها تسود فيها الرحمة والمودة والاحساس بالسكن والاطمئنان. أحيانا هذا الانسان بسوء تقديره وبتجاوزه عما رسمه الله له، فلو أن البشر ترسم ما أراد الله سبحانه وتعالى وسار على الخريطة الإلهية والأحكام الشرعية لحصل السكن ولحصلت المودة ولحصلت الرحمة ولحصل ذلك المجتمع الصالح، لكن حيث أن البشر كفر في بعضه بالكامل بما أنزل الله على رسله وخاصة على خاتم الأنبياء والمرسلين محمد صلى الله عليه وآله وسلم فانتهى الى ما تحدثنا عنه قبل ليالٍ من حملة الشذوذ العالمي التي دار حولها بعض الحديث. بل حتى في داخل الدائرة الاسلامية قد يؤمن الإنسان في عقائده بالله رباً وبمحمد نبياً وبعلي إماما وبالمعصومين عليهم السلام أئمة ويصلي ولكن البرنامج الذي وضعه الله له في