في داخلك عبد أو فرعون ٣٤

في داخلك عبد أو فرعون ٣٤
00:00 --:--

في داخلك عبد أو فرعون/ وصية الكاظم لهشام

كتابة الفاضل علي السعيد

والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين أبي القاسم المصطفى محمد، لا يزال حديثنا في وصية الإمام موسى بن جعفر الكاظم عليه السلام لهشام بن الحكم البغدادي، ووصلنا فيها إلى هذه الفقرة: "يَا هِشَامُ مَنْ تَعَظَّمَ فِي نَفْسِهِ لَعَنَتْهُ مَلَائِكَةُ السَّمَاءِ وَمَلَائِكَةُ الْأَرْضِ وَمَنْ تَكَبَّرَ عَلَى إِخْوَانِهِ وَاسْتَطَالَ عَلَيْهِمْ فَقَدْ ضَادَّ اللَّهَ‏ وَمَنِ ادَّعَى مَا لَيْسَ لَهُ فَهُوَ أَعْنَى لِغَيْرِ رُشْدِهِ....، يَا هِشَامُ إِيَّاكَ وَالْكِبْرَ عَلَى أَوْلِيَائِي وَالِاسْتِطَالَةَ بِعِلْمِكَ فَيَمْقُتُكَ اللَّهُ فَلَا تَنْفَعُكَ‏ بَعْدَ مَقْتِهِ دُنْيَاكَ وَلَا آخِرَتُكَ وَكُنْ فِي الدُّنْيَا كَسَاكِنِ دَارٍ لَيْسَتْ لَهُ إِنَّمَا يَنْتَظِرُ الرَّحِيلَ"، صدق سيدنا أبو الحسن الكاظم عليه السلام في مواعظه ونصائحه. في الفقرة الأولى من هذه الوصية الشريفة، يرتب الإمام عليه السلام (٣) خصال، إحداها تكون مقدمة للأخرى، الصفة الأولى: (التعاظم في الذات)، الشعور

بالعظمة، هذه الصفة الأولى تجر إلى صفة أخرى سيئة، وهي (التكبر على الإخوان، والاستطالة عليهم)، الصفة الأولى ميدانها النفس، والصفة الثانية ميدانها المجتمع، والصفة الثالثة هي الادعاءات الباطلة بما ليس من حقه، كأن يدعي رئاسة قوم وهو ليس في هذا المستوى، أن يدعي منصبا سياسيا أو دينيا أو اجتماعيا وهو غير مؤهل لذلك. هذه النهاية هي أيضا بعد مقدمتين، العظمة والتعاظم في داخل نفس الإنسان، ثم الاستطالة والتكبر الاجتماعي، وهذه الخصال لاسيما الأولى منها أكثر الناس مهددون بها إن لم يلتفتوا إليها، الشعور بالعظمة، الشعور المتضخم بالذات، هذه من المشاكل التي يتعرض لها المتكلم، ويتعرض لها ربما السامع، وقد يلتفت وقد لا يلتفت إليها، توجيه الاجتماع اليوم يساعد بشكل كبير على الشعور بالعظمة، على الشعور الطاغي بالذات. لاحظوا بينما يوجه

الدين في عباداته وفي أخلاقياته وفي فلسفته الحياتية إلى تخفيض الشعور بالذات إلى درجة اعتبار الإنسان نفسه أنه عبد، هل هناك مرتبة أقل من مرتبة العبد المملوك الذي لا يملك شيئا وهو مملوك لغيره؟ لا توجد مرتبة، هذه الدرجة التي يريدها الدين من كل إنسان أن يشعر بها في داخله إلى أن يصل أن أفضل الخلائق وهو سيد الأنبياء محمد صلى الله وآله وسلم، عندما جلس على الرغام وعلى التراب، وأخذ يأكل بيده الطعام، مرت عليه امرأة فقالت يا محمد إنك لتجلس جلسة العبد، وتأكل أكلة العبد، هذه الي يعملها العبيد. شخص يقعد على التراب ما بينه وبين التراب فاصلة، أنا وأنت لا نفعلها عادة، فكيف برسول الله؟ لكنه جلس على الرغام، وأكل بيده الطعام، فمرت عليه هذه المرأة، قالت

له يا محمد، إنك لتجلس جلسة العبد، وتأكل أكلة العبد، أنت ليست عندك شخصية، ليس عندك شعور بذاتك، قال ويحكِ أي عبد أعبد مني؟ أنا أعبد الخلائق، لا يوجد أحد في الدنيا أكثر عبودية وتواضعا مني أنا رسول الله، ولذلك نقرأ في التشهد، وأشهد أنك عبده ورسوله، وإذا أراد ربنا سبحانه وتعالى أن يمدح بعض أنبيائه ماذا يقول؟ نعم العبد، (خوش عبد هذا)، ﴿... ۚ نِعْمَ الْعَبْدُ ۖ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ [سورة ص: ٣٠]. كل توجيهات الدين بهذه الطريقة، الصلاة لماذا؟ لأنك تضع أشرف مواضعك على أخفض مكان على التراب، ولذلك هذا التأكيد أيضا من قبل أهل البيت عليهم السلام على أنه لا يصح السجود إلا على الأرض أو ما أخرجت الأرض، لا تسجد على السجاد، لا تسجد على الذهب، لا

تسجد على الحرير، لا تسجد على الأشياء من هذا النوع، لابد أن تسجد على الأرض، إذا لم تكن هناك أرض، هات الأرض إلى داخل مكان سجودك، هات شيئا من الأرض وضعه، لماذا؟ حتى هذا الجبين الذي هو أعلى شيء فيك يكون في حركة السجود والتي هي أنزل شيء، لا يوجد شيء أنزل منها، هكذا انحناء، الركوع أيضا انحناء، أكثر من ذلك انحناء، آخر مرتبة هو أن الشخص يضع جبينه على الأرض، هذه لا توجد فيها مرحلة أبعد منها، وأيضا يجب أن تضعها على ماذا؟ على التراب، على الرغام، على الأرض، (جُعِلَتْ لِيَ الأَرْضُ مَسْجِدًا وطَهُورًا). وذات الكلام في الطهارة، أنت تتطهر، ولكن بماذا؟ بالرغام بالتراب بالصعيد في مثل التيمم، فقدت الماء لا توجد مشكلة، دعني يا أخي أضع عطرا وأتوضأ

مشاركة عبر:
الشيخ فوزي آل سيف

عدد المواد المنشورة: ٢,٩٨٧

أرشيف الكاتب
البحث في الموقع
الأكثر قراءة