كتابة الفاضل علي السعيد والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين محمد وعلى أهل بيته الطيبين الطاهرين، في وصية مولانا الإمام موسى الكاظم عليه السلام لهشام بن الحكم قال: "يا هشام قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إذا رأيتم المؤمن صموتا فادنو منه فإنه يلقى الحكمة، والمؤمن قليل الكلام كثير العمل، والمنافق كثير الكلام قليل العمل". هذه إحدى فقرات الوصية، والتي تم التأكيد فيها كثيرا على قضية ترك الكلام غير النافع، والتعود على قضية الصمت والتفكير، الإمام هنا ينقل حديثا عن رسول الله صلى الله عليه وآله، وهو: (إذا رأيتم المؤمن صموتا، فادنو منه، فإنه يلقى الحكمة...). بالرغم من أن كلمة (السكوت) تشابه كلمة (الصمت) إلا أنه يظهر من بعض التدقيقات أن الصمت نوع من أنواع السكوت، الإنسان الذي لا
يملك جوابا قد يسكت لعدم معرفته الجواب، ولكن إذا كان قد عرف جواب تلك المسألة، وقرر أن لا يتكلم لجهة من الجهات، إما لأن من يشتري هذا الكلام غير موجود، مستمع واع غير موجود، أو أن هناك مستمعا واعيا، ولكن هناك خطورة في الحديث، هنا يختار الصمت، يعني السكوت بقرار. بعض المدققين في تراكيب الألفاظ يميزون بين هذين النحوين، الإنسان الساكت قد يكون لأنه لا يجد جوابا، لأنه لا يعرف هذه المسألة، لأنه لا شجاعة لديه في الحديث، ولكن يقول هؤلاء الصامت يختلف عن ذلك، لديه قدرة على الحديث، ولكنه لأجل ملاحظات معينة تراه يتخذ قرارا بالصمت، سواء كان هذا التفريق سليما أو غير سليم، فإنه لا ريب أن قضية عدم الكلام بقرار قد مُدِحت كثيرا في الروايات، أن الإنسان
يصمت لا بل يكون صموتا، (صموت) على وزن (فعول)، قالوا من صيغ المبالغة، مثل غافر وغفور، صامت وصموت، فهو كثير الصمت، كثير الصمت لا لأنه لا يجد جوابا، هو جاهل بالمسألة فيسكت هذا طبيعي، وإنما مع قدرته على ذلك، مع قدرته على الحديث، عنده كلام، ومع ذلك يتخذ قرارا بأن يصمت، لو تعود الإنسان على هذا الأمر في حياته ربما وفر على نفسه كثيرا من الأمور. نحن تحدثنا في (كتاب الأمراض الأخلاقية) عن هذا الموضوع، ولكن مجرد إشارة إلى ذلك نشير، ليمتحن الإنسان نفسه، يقرر فلان يوما مثلا، يقول بيني وبين نفسي سوف أقلل من كلامي إلى نصف ما كنت أتكلمه، إني نذرت للرحمن صوما، يعني صمتا هنا، فلن أكلم اليوم إنسيا، لا، هذا لا يمكن، على أنه أيضا غير
مشروع عندنا صوم الصمت، ولكن لأجل أن يدرب الإنسان نفسه على إلغاء الكلام الزائد، الكثير منا عنده كلام زائد عن الحاجة، أي مكان يجلس يريد أن يتكلم، المرأة الزوجة أول ما ترى زوجها تريد أن تتكلم، على الغدا تريد أن تتكلم، على السرير تريد أن تتكلم، في السيارة تريد أن تتكلم، وهو مشغول تريد أن تتكلم، وهو غير مشغول تريد أن تتكلم، وهكذا. وأحيانا الرجل أيضا نفس الشيء، إما مع زوجته، وإما مع الناس، بمجرد أن يأتي إلى مكان يفتح حبة الكلام وزر الكلام، ولو ترك لأخذ المجلس بكامله، خصوصا مثلنا نحن، يعني مثلي من الخطباء، بينما لو فكر الإنسان في أن يقتصر على الكلام النافع والكلام اللازم، هذا سيجد مساحة واسعة من التفكير، هذا الذي دائما يتكلم، دائما يتكلم
في كل الأوقات، أي شخص يراه يريد أن يتكلم معه، باقي أن يتكلم مع نفسه حتى لو كان منفردا، في أي مكان مع جماعة يبدأ بالكلام. هذا لا يجد في الغالب فرصة له لكي يفكر، لا في أمور دنيوية ولا في أمور دينية، لأن الذهن يحتاج إلى شيء من الهدوء حتى يفكر في ملفاته، عنده تجارة، ما عنده وقت لكي يفكر فيها، لأنه طول الوقت هو مشغول بتجارته، إذا خلص من التجارة ومع جماعة يبدأ بالكلام و و إلى آخره، متى يفكر في تجارته؟ لا يستطيع، فلا يطور. وكذلك بالنسبة إلى الأفكار، كل واحد من الناس هو مشروع أن يكتشف أفكارا، فكر في الآية الفلانية، فكر في الظاهرة الاجتماعية الفلانية، في المسألة الأخلاقية الفلانية، لكنه لا يترك لنفسه مجالا للتفكير،