ثم ما أرضٌ أشرقت عليها الشمس مرةً واحدة ولم تشرق عليها بعد ذلك أبدًا ؟
ثم ما قبرٌ يسير بصاحبه ؟
ثم ما نفسٌ في نفسٍ ليس بينها قرابة ولا رحم ؟
ثم ما هو الأول وما هو الثاني وما هو الثالث وما هو الرابع وما هو الخامس وما العشرون وما الثلاثون وما الخمسون إلى المائة ؟
فتعجب الخليفة وقال : لا أهتدي لجوابها .
فقالوا : إن دينكم على ضلال .
أحد الحاضرين قال : فلنذهب على علي بن أبي طالب فجاؤا إلى أمير المؤمنين عليه السلام وأعادوا عليه نفس السؤال .
فقالوا : ما أنت وما نحن عند الله ؟
فقال : أما أنا فعبد الله وأخو رسوله ووصيه والقائم مقامه وزوج ابنته وولايتي على الخلق مفروضة هذا عند الله .
وأما أنتم فإن بقيتم على ضلالكم هذا ولم تؤمنوا بالله ورسوله فإن مصيركم إلى النار ، وهذا عند الله .
وأما بقعةٌ طلعت عليها الشمس مرة ولم تطلع عليها غيرها فما صنعه موسى بن عمران عندما فلق البحر فلقتين وظهرت الأرض حتى سار عليها بنو إسرائيل ونجوا من فرعون ثم انطبق الماء عليها فلم تشرق تلك الشمس على هذه الأرض اليابسة بعد هذا .
وأما قبرٌ يسير بصاحبه فحوت يونس وهو نفسه نفسٌ في نفسٍ ليس بينه وبينها قرابةٌ ولا رحم .
ثم بدأ يجيب على أسئلتهم إلى رقم مائة ومذكور هذا في كتاب (الخصال ) للشيخ الصدوق رضوان الله عليه وموجود في كتاب (الاحتجاج ) وهو من الكتب التي ننصح بقراءتها ففيها مناظرات رسول الله ( ص) واحتجاجات أمير المؤمنين عليه السلام وأجوبة الإمام الحسن وأجوبة الإمام الحسين شيءٌ بديعٌ جدًا ونافعٌ جدًا .
فالإمام أمير المؤمنين عليه السلام يتلقى هذا التحدي والمواجهة ويُسأل وملك الروم عندما يوجه أسئلة إلى معاوية وهذه الرسائل والأسئلة ليست ترفية مجرد رسالة فيها أسئلة وإنما تحدي في أن هل ديننا إلهي مصادره ربانية وبالتالي يجد إجابة لكل سؤال أو أنه ليس كذلك يعجز عن إجابة الأسئلة فيتبين إذن أنه ليس دينًا ربانيًا وإنما بشري وبالتالي ليس أنتم المسلمون من تدعوننا لدينكم وإنما نحن من يجب أن ندعوكم لديننا ولذلك لولا وجود أهل البيت وأنهم كانوا يجيبون على تلك الأسئلة لكانت فضيحة . وفي داخل الساحة الإسلامية أيضًا ما كان يعجز عنه فقهاء البلاط الرسمي والطرف الآخر كان أئمة أهل البيت عليهم السلام هم الذين يتصدون للإجابة عنه فيأتي الزنادقة فيعجزون غيرهم ويعجزهم أئمة أهل البيت عليهم السلام .
فينقلون أنه ابن أبي العوجاء وهو أحد رؤساء الزنادقة وتيار الإلحاد في المجتمع المسلم وكان في أيام الإمام الصادق عليه السلام . ما قدر عليه العباسيون أنهم جعلوا جلاد وقالوا له أي واحد من الزنادقة عنده أسئلة وإشكالات اقطع رأسه . فيقطع رأسه ويبقى السؤال وتبقى الشبهة وإن قتل صاحبها ، وأئمة أهل البيت عليهم السلام كانوا يتصدون لذلك ومما يذكر هناك احتجاجات طويلة ومفصلة وهناك احتجاجات قصيرة جدًا .
مما يذكر أنه جاء عبد الكريم بن أبي العوجاء إلى الإمام الصادق وكان لا يرى سائر الفقهاء أهلًا لأن يطرح عليهم هذا الإشكال من شدة ثقته بنفسه ومستهين بهؤلاء إلا مثل الإمام الصادق عليه السلام . فجاءه واستبقه الإمام الصادق وقال له : يا بن أبي العوجاء أنت مصنوع أو غير مصنوع مخلوق أو غير مخلوق ؟
فسكت ، لأنه لو قال مخلوق فسيسأله فمن الذي خلقك ؟ فقال : لست مصنوعًا . فقال له الإمام : لو كنت مصنوعًا كيف كنت تكون ؟ فسكت ولم يستطع أن يجيب على ذلك .
والشاهد أن أئمة أهل البيت عليهم السلام وفي طليعتهم سيدهم وسيدنا أمير المؤمنين عليه السلام لما كانت رسالتهم أن يقوموا بهداية الناس إلى طريق الله كان من اللازم أن يزودهم الله بالعلم الكافي الذي يحتاج إليه البشر في طريقهم إلى الله . فهذا العلم الذي عندهم لا لأجل التباهي والفخر ولا لأجل مماراة غيرهم وإسكات الآخرين وإنما كي يدل الناس على أن هؤلاء اختصهم ربهم كما اختص جدهم بالنبوة اختصهم بالإمامة والولاية ومن شروط ذلك أنه كما قال الإمام الصادق : (إن الله أعدل وأحكم من أن يفترض على الناس طاعة رجلٍ ثم لا يكون عنده كل ما يحتاجون إليه ) والنموذج الأكمل والأمثل الذي ظهرت منه هذه الصفات وعرفها عنه الناس في تكاملها في دائرتها المتكاملة علمًا وعملًا وشجاعةً وإدارةً وسياسةً وأخلاقًا ونظامًا اجتماعيًا وغير ذلك هو مولانا أبو السبطين أمير المؤمنين صلوات الله عليه .