وَمَا تَأَخَّرَ ) وفي قوله تعالى:﴿عَبَسَ وَتَوَلَّىٰۤ أَن جَاۤءَهُ ٱلۡأَعۡمَىٰ وَمَا یُدۡرِیكَ لَعَلَّهُۥ یَزَّكَّىٰۤ أَوۡ یَذَّكَّرُ فَتَنفَعَهُ ٱلذِّكۡرَىٰۤ ﴾ سوف نجد الأجوبة الشافية حول الإشكالات المتعلقة بتفسير هذه الآيات في هذا الكتاب "تنزيه الأنبياء" ففي مقدمة هذا لكتاب يقول: (اختلف المسلمون في نسبة الذنوب إلى الأنبياء فقالت الشيعة الإمامية: لا يجوز عليهم شيء من المعاصي والذنوب سواء الكبائر أو الصغائر، لا قبل النبوة ولا بعدها، ويقولون في الأئمة مثل ذلك). وجوز أصحاب الحديث والحشوية (هم المحدثون القائلون بنفي التأويل) حديث يقول: إن (داوود ع تمشى على السطح فرأى امرأة أحد قواده أُورِيَّا تغتسل ،وكانت جميلة فأرادها لنفسه، لذلك أرسل قائده أُورِيَّا العسكري في أكثر من معركة حتى يقتل، فلما قتل تزوجها). وكذلك جوزوا على نبي الله سليمان أنه أقبل يضرب
سوق الخيل وأعناقها لأنها كانت سبب فوت الصلاة. هؤلاء يرون أن المعصية والذنوب كبيرها وصغيرها يمكن أن تصدر من الأنبياء. كما جوزوا الرواية التي تتحدث عن النبي أنه كان يُهدى إليه الخمر قبل بعثته، وبعد بعثته أهداه أحدهم خمرا، فقال له النبي إنها حرمت. وأما المعتزلة فقالوا: يمكن أن تصدر من الأنبياء المعاصي في الحالين، لكن لا يستحقون اللوم ولا العقوبة، وهذا من موارد الافتراق بين المعتزلة وبين الشيعة الإمامية. وأجمع الإمامية استنادا إلى الأدلة القطعية على استحالة وقوع المعصية والذنب من النبي، سواء كان صغيرا أو كبيرا ، قبل النبوة أو بعدها بشكل مطلق. وقد تناول الشريف الرضي اثني عشر موضعًا في القرآن الكريم تُوحي ظاهريًا بنسبة الذنب أو العصيان إلى النبي، بالإضافة إلى ما ورد في كتب الحديث.
وردّ عليها جميعًا بردّ علمي دقيق، مدعوم بالأدلة، مفندًا سوء الفهم المرتبط بهذه الآيات. وتؤكد الأدلة العقلية القطعية أن عصيان النبي - سواء كان عمدًا أو سهوًا - يؤدي إلى بطلان نبوته، إذ أن المعصية العمدية تجعله في مصافّ الفاسقين، فكيف يكون نبي المؤمنين فاسقًا؟! بل حتى إن لم يكن العصيان عمديًا، فكان يجب حينها الإنكار عليه. فقد قال قبلها: (نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ،) ( فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ ) عندما قال القران: فكيف يكون نعم العبد ثم يرتكب الذنوب وهو الذي وصفه بأنه تائب قريب من الله. قامت الأدلة النقلية أيضا من طريق مدرسة أهل البيت بل من القران الكريم على نفي ذلك، أقصى ما تفيد هذه الآيات والروايات التي قد يشم منها نسبة المعصية أنها تفيد الظن. معنى
ذلك أن الألفاظ إنما تفيدك احتمال أن يكون المعنى هكذا. فلفظة عصا يعني ارتكب المعصية والمخالفة الدينية، لكن أصل معناها في اللغه ليس كذلك، وإنما مطلق المخالفة، فلو أن الله أمرك بغسل الجمعة ثم لم تفعل يقال في اللغة العربية عصيت أمر الله مع أنه مستحب من المستحبات. أمر الله عز وجل بالذكر فقال :﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا) ولو إن إنسانا ماذكر الله ذكرا كثيرا يقال له في اللغة العربية أنه عصى أمر الله. إن ترك المستحب يمكن أن يقال عنه "عصى"لأنه خالف الأمر، لكن هذا لايعني أن فعله يستوجب العقاب. فكم من الناس يعصون الأوامر وهي ليست معصية تستحق العقوبة، بل بعضها كان إرشاديا والأمر الإرشادي لا يستحق عليه العقوبة، مثل نصيحة الطبيب بعدم شرب
الماء البارد عند الإصابة بالاحتقان ،فإذا خالفها الشخص فهو لم يرتكب ذنبا شرعيا ، بل فقط لم يأخذ بالنصيحة. أوامر لله عز وجل كما يقول العلماء هي أوامر إرشادية إلى الأفضل والأصلح. عندما أمر الله آدم بعدم الاقتراب من الشجرة أدت مخالفته لأمر الله إلى الهبوط من الجنة ، لكنها لم تكن معصية تستوجب العقوبة الأخروية ، بل كان أمرا إرشاديا له أثر دنيوي. الشريف المرتضى رضوان الله تعالى عليه بحث هذه المسألة ، خصوصا فيما يتعلق بمسألة تنزيه الأنبياء عن المعصية، وعالج هذا الموضوع. كما تحدث السيد الشريف المرتضى عن شروط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كذلك في كتابه تنزيه الأنبياء في القسم الثاني. كان الشريف المرتضى شاعرا من أحسن وأكبر الشعراء في رثاء أبي عبد الله الحسين وقد