الشريف المرتضى علم الهدى

الشريف المرتضى علم الهدى
00:00 --:--

الجلوس مع الشريف المرتضى كأنه لقاء بكل البشر، وأن العلم والمعرفة التي يمتلكها كأنها اختصار للزمن كله في لحظة. وداره كانت بمثابة عالم كامل لمن زاره. هذا يدل على احترامه الشديد لهذا الرجل، وهو أمر نادر من شاعر مثل المعري، الذي كان معروفًا بنقده اللاذع ورفضه المجاملات. انتقلت المرجعية العلمية الدينية من قم والري- التي كانت في زمان الشيخ الكليني رحمه الله مؤلف "الكافي" والصدوق مؤلف "من لا يحضره الفقيه"- انتقلت من بلاد الري من قم إلى بغداد حتى الشيخ الكليني نفسه سافر في أواخر حياته إلى بغداد وكذلك الشيخ الصدوق،فانتقل الحجم العلمي إلى بغداد وصارت مجمعا للعلماء. خلال فترة البويهيين فُتحت أبواب الحرية العلمية والفكرية على مصراعيها للجميع، فشهدت بغداد نهضة علمية وفكرية كبيرة استقطبت العلماء والفقهاء والمتكلمون والمفسرون.

جاء الشريف المرتضى في مثل ذلك الوضع وبرز بين الأقران أيما بروز. وكان رحمه الله ثريا بما ورث من آبائه وفي نفس الوقت كان سخيا، وكان مفكرا للمستقبل، لذلك استطاع أن يوقف قريةكاملة على أهل العلم،حيث وفر لهم الكتب والدفاتر والمحابر والمعيشة وحتى الملابس. هذا القرية الزراعية آلت إليه من آبائه فقام بوقفها في هذا السبيل. وهنا بين قوسين أشير إلى أن الوقف في هذه الموارد ما يرتبط بنشر العلم وحماية ورعاية العلماء هو من أبقى الأمور و أكثرها فائدة، فأوقف هذه القرية على طلاب العلم وعلى الكتب التي من الصعب على طلاب العلم الحصول عليها لعدم توفرها في ذلك الزمن. وكان يجري لكل طالب راتبا شهريا قدره خمسة عشر دينارا، وهو مبلغ كان كافيا لتغطية احتياجاتهم في ذلك الزمن

. كما عرف الشريف المرتضى بالسخاء فقد أسس مكتبة لانظير لها في زمانه،كانت من أعظم المكتبات في عصره ،حيث ضمت ثمانين ألف كتاب، وهو عدد ضخم جدا حيث كانت الكتب تُنسخ يدويا، وكان يشتريها من هنا وهناك ويبعث وراءها حتى تُشترى. للأسف، هذه المكتبة القيّمة كانت من بين الممتلكات التي دُمرت عندما دخل السلاجقة بغداد بقيادة طغرل بك، الذي أسقط الدولة البويهية. وقد تعرضت المكتبة للحرق والدمار، مما أدى إلى فقدان كنز علمي ثمين. وكان من جملة ما أطعم للنيران وللمياه مكتبة الشيخ الطوسي والمكاتب الأخرى التي كانت موجودة في بغداد. وحتى يحصل الشريف المرتضى على هذه الكتب كان يشتريها بأثمان مرتفعة. في إحدى الحوادث كان أحد الأدباء يمتلك كتاب “الجمهرة”، وهو كتاب نفيس في اللغة العربية. وحينما عرض الشريف

المرتضى عليه بيعه لإضافته إلى المكتبة العامة يستفيد منها طلاب العلم، وافق على مضض وبثمن مرتفع، إذ كان مضطرًا لذلك بسبب ضيق ذات اليد. عندما وصل الكتاب إلى الشريف المرتضى، بدأ بتصفحه ليتأكد من اكتماله، فوجد في نهايته أبياتًا شعرية كتبها مالكه، ينعى فيها فراقه للكتاب كما ينعى الإنسان أعزّ أحبّته، معبرًا عن ألمه لاضطراره إلى بيعه، حتى إنه قال: "لو استطعتُ أن أبيع روحي قبله لفعلتُ". تأثر الشريف المرتضى بهذه الأبيات وفهم معاناة الرجل، فاستدعاه وأعاد إليه الكتاب، بل ووهبه الثمن الذي دفعه مقابل بيعه، وأضاف إليه ثمانين دينارًا أخرى. وكان هذا المبلغ في ذلك الوقت كبيرًا، حيث كان راتب طالب العلم لا يتجاوز خمسة عشر دينارًا تكفيه لأشهر، وهكذا لم يستعد الرجل كتابه فحسب، بل حصل على أكثر

مما كان يأمل.مما يعكس سخاء الشريف الرضي وجوده وكرمه. اتسمت الدولة البويهية بقدر كبير من الحرية الفكرية، حيث لم يكن هناك قمع لأصحاب المذاهب المختلفة، بل وصل الأمر إلى تعيين قاضي القضاة من مذهب مختلف عن مذهب السلطة، كما كان الحال مع عبد الجبار الهمداني، الذي كان معتزليًا رغم أن البويهيين لم يكونوا على هذا المذهب. كان عبد الجبار الهمداني شخصية فكرية كبرى، تنقّل بين المذاهب، فبدأ أشعريًا ثم انتقل إلى الاعتزال بعد تأثره بأحد القضاة في بغداد. تميّز بغزارة الإنتاج، وكان كتاب "المغني في التوحيد والعدل" من أشهر مؤلفاته، يقع في عشرين مجلدا ناقش فيه مختلف مسائل العقيدة والكلام، وخصص آخر مجلد لموضوع الإمامة، حيث طرح فيه رأي المعتزلة القائل بأن الإمامة تُختار من قِبَل الناس، وليس هناك نص

مشاركة عبر:
الشيخ فوزي آل سيف

عدد المواد المنشورة: ٢,٩٧٦

أرشيف الكاتب
البحث في الموقع
الأكثر قراءة