الأصول الأربعمائة
روى شيخنا الصدوق رضوان الله عليه في كتابه الأمالي بسنده عن أمير المؤمنين علي عليه السلام قال: خطبنا رسول الله صلى الله عليه واله آخر جمعة من شهر شعبان فقال: (إنه قد أقبل إليكم شهر الله بالبركة والرحمة والمغفرة شهر دعيتم فيه الى ضيافة الله وجعلتم فيه من أهل كرامته أنفاسكم فيه تسبيح ونومكم فيه عبادة و دعاؤكم فيه مستجاب وعملكم فيه مقبول، هو شهرٌ عند الله أفضل الشهور وأيامهُ أفضل الأيام ولياليه أفضل الليالي وساعاته أفضل الساعات) صدق سيدنا ومولانا النبي محمد (صل الله عليه و آله). نحمد الله سبحانه وتعالى أن بلغنا شهر رمضان الكريم ونحن في خير وعافية وأمن وإيمان. وهذا من فضل الله علينا الذي ينبغي ان نشكره عليه فإن الكثير من الناس لم يدركوا ولا
يدركون هذا الشهر. مَن الله علينا بذلك من غير استيجاب منا ولا استحقاق وإنما فضلٌ منه وكرم فشكرا لله والحمد لله رب العالمين. نسأل الله الذي تفضل علينا بهذه الكرامة ان يتفضل علينا بإكمالها بعتق رقابنا من النار وبالفوز بالجنة لنا ولأهلنا وأرحامنا ولجميع من يسمعنا وللمؤمنين والمؤمنات إنه على كل شيء قدير. ومن بركات هذا الشهر الكريم انه تتوفر الفرصة خصوصاً في مجالس اتباع اهل البيت عليهم السلام لتجديد التواصل والتعارف. فقد يمر على الانسان تبعا لنظم الحياة الحديثة التي طرأت علينا شهور لا يرى فيها احبته وأصدقائه ومعارفه. ولكن من بركات هذا الشهر هو وجود هذه المجالس التي ندعو الله أن يديمها وأن يكثرها لما لها من دور مهم في حياة ومجتمع اهل البيت عليهم السلام. هذه المجالس
التي تحصل في شهر رمضان، بالإضافة الى انها ذكر لله عز وجل وذكر لنبيه محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) وذكر لأهل بيت النبي وهي كلها عبادة، هي توفر فرصه للتواصل الاجتماعي والزيارات المتبادلة وتجديد عقد الأخوة بين المؤمنين. كما انها فرص مهمة لزيادة التعرف على مبادئ الدين وعلى فقهه وعلى ما يرتبط بمنهاج الإسلام ولعلها هي العامل الأساس الذي جعل شيعه اهل البيت عليهم السلام يعرفون مبادئهم وعقائدهم وفقههم ويتمسكون بكل ذلك. ان ذلك في جزء كبير منه هو من بركات هذه المجالس نسأل الله سبحانه وتعالى ان يديمها وان يوفق القائمين عليها وان يجزي الباذلين فيها بأحسن الجزاء ويعوضهم بأحسن العوض انه على كل شيء قدير. من جمله ما يذكر في هذه المجالس كما قلنا المعارف الدينية والإسلامية
التي ترتبط بفهم الانسان المسلم والمؤمن عقيدته ومبادئه. وقد سبق لنا في سنوات مضت عدد من العناوين التي ترتبط بهذا المعنى. وفي هذه السنة نسأل الله ان يكرمنا بأداء جزء من مسؤوليتنا في التعريف بالدين وبمذهب اهل البيت عليهم السلام من خلال أحاديث متسلسلة في موضوع الشيعة في كتبهم واعلامهم. شيعة اهل البيت عليهم السلام الان يشكلون جزءا كبيرا في الامة من حيث العدد ومن حيث التأثير ومن حيث الجغرافيا ومن حيث التاريخ والاجتماع غير ان هذا الوجود الكبير والمهم لم يكن ليحصل هكذا فجأة مثل الفطر ينمو. وإنما هو نتاج مسيرة طويلة جداً من الحفاظ على المبادئ الدينية والمعارف الإسلامية وكم جرى في خلال هذه القرون الأربعة عشر من التضحيات والعطاءات والبذل حتى وصل الينا هذه المعارف وكنا بهذه
الصورة ولولا مثل تلك التضحيات ومثل تلك الجهود لما أمكن لنا لا أن نعرف الدين كما نعرفه الآن ولا أن تصل الينا هذه المعارف. في أحاديثنا هذه سوف نحاول استعادة صور من تلك التضحيات ومن تلك السير للعلماء واستعراض بعض الكتب التي كان لها دور مهم في الحفاظ على العقيدة الدينية وعلى المعارف الإسلامية. وفي هذا المعنى لا يفوتني ان اشير الى جانب من جوانب الاقتداء والتأسي فإنه ليس من المعقول ايها الأحبة أيتها المؤمنات أن نجد في تاريخنا من يبذل دمه من اجل الحفاظ على كتاب وأن يسجن سنوات من اجل الحفاظ على روايات كما حصل بالنسبة الى أحد أجلة أصحاب الامام الكاظم عليه السلام محمد ابن ابي عمير فقد روي عنه روايات كثيرة جداً وكان له كتب كثيرة