السيد جعفر الحلي وقصائده الحسينية
كتابة الفاضلة ليلى الشافعي
جاء في الخبر ( إن لقتل الحسين في قلوب المؤمنين حرارةً لا تبرد أبدًا )
حديثنا يتناول شعر أحد شعراء أهل البيت عليهم السلام في القضية الحسينية وهو السيد جعفر بن السيد كمال الدين الحلي رضوان الله تعالى عليه المتوفى سنة ١٣١٥هـ وقبل أن ندخل في ذكره وذكر قصائده ونتعرض إلى بعضها نشير إلى نقطة مهمة ترتبط بالتأثر والتأثير بين القضية الحسينية وبين المجتمعات الشيعية فيما يرتبط بنمو الأدب والشعر ، فوجود القضية الحسينية في المجتمعات الشيعية صنع نموًا استثنائيًا في أمور كثيرة منها قضية الإنفاق ، فترى المجتمعات الشيعية لا سيما في الموسمين شهري محرم وصفر تنفق إنفاقاتٍ يستحيل عدها وإحصاؤها ، فالذي يتمكن والذي لا يتمكن والذي يملك الأموال الطائلة والذي لا يملك إلا قوت يومه ، الكل يشترك في هذا الإنفاق فالذي ينفق بالمال والذي ينفق بجهده وبدنه والذي ينفق من وقته والذي ينفق من سمعته ومن علمه وغير ذلك .
وطبعا هذا الأمر يجعل المجتمع في حالة صعود فالمجتمع المنفق والمعطاء هو مجتمع متطور ‘ أما المجتمع الذي لا يفكر أبناءه إلا في أنفسهم وفي جمع المال ويفكرون في الأخذ أكثر مما يفكرون في العطاء فهذا مجتمع ميت في نظر الإسلام بل الشخص نفسه يعتبر ميتًا .
فهذه الحالة تنمي المجتمع الشيعي في العطاء ونحن لا نقصد العطاء المالي فقط هذا أحد الأوجه فأنت تجد المجتمع الشيعي في الموسمين في حالة حركة دائمة وعمل متواصل كلٌ منهم بطريقته الخاصة وهذا تنمية اجتماعية .
ومن ذلك أيضًا وهو الذي يرتبط بحديثنا التنمية الأدبية واللغوية والبلاغية فوجود القضية الحسينية في المجتمع الشيعي وتأثر هذا المجتمع بهذه القضية وتفاعله معها عاطفيًا وإعلان حالة الحزن هذه من الأمور التي أثرت تأثيرًا كبيرًا ولهذا نبغ في هذا المجتمع شعراء كثيرون جدًا وفي حالات غريبة كشاعرنا الذي سنتحدث عنه والذي كان قصير العمر فقد توفي وعمره ٣٧سنة وبدأ ينظم الشعر وعمره عشر سنوات وكان شعره ناضجًا وقويًا وأمثال هذا كثيرون .
فأنت تلاحظ المجتمع الذي ليس عنده موضوعًا عاطفيًا لا يحفز على إنتاج أدبي ، مثل مجتمع كل شغله في المكائن والأمور المادية فلا ينمو أدبيا بينما إذا كان المجتمع يعيش حرارة الإمام الحسين وقضيته وأحزانه وليس مرةً في العمر بل في كل سنةٍ على الأقل موسم . فإن هناك جيلًا كبيرًا وواسعًا ينشأ على الأدب وعلى الشعر وهذا يسبب التنمية الأدبية حتى لقد قيل على سبيل المبالغة وهل الشعر إلا عند الشيعة ) هذا فيه مبالغة لأنه يوجد عند غير الشيعة شعرًا ولكن كأنه هناك في المجتمع الشيعي توجد محفزات كثيرة جدًا تثير الإنسان باتجاه نظم الشعر ، فالشاعر يعتبر نفسه عندما ينظم في الحسين وفي أهل البيت مثاب من قبل الله عز وجل ، والشاعر عندما يتأثر ويتألم ويبكي وتهيج أحزانه ومشاعره فينطلق باتجاه التعبير عنها في صورة قصائد ونظم شعري متميز .
أثرت القضية الحسينية في المجتمعات الشيعية على تنمية الحالة البلاغية وتنمية الشعر وعلى تنمية اللغة أيضًا ، حتى لقد قال بعضهم لولا القرآن الكريم لضاعت اللغة العربية ولولا قضية الحسين لضاع الأدب الرفيع . والناظر ينظر إلى عدد هائل جدًا من الشعر وقد ذكرنا آنفًا أن المرحوم السيد جواد شبر ألف نحو عشرة مجلدات في ترجمة شعراء الحسين عليه السلام وفي ذكر حياتهم وسيرتهم وهذا مقدار بسيط من الذين عثر على أسمائهم وعلى قصائدهم وعلى سيرة حياتهم ، وإلا لو كان يريد أن يترجم إلى الكل لا يستطيع ، بل حتى لو أراد أن يتعرف على ذلك في بلدة واحدة لعسر عليه ذلك لأنه قد يشتهر عدد من الأشخاص لكن الأكثر بالرغم من أنه عندهم شعر قوي لكنهم لا يشتهرون ، فأثرت القضية الحسينية على النمو الأدبي والشعري والبلاغي في المجتمعات الشيعية عمومًا الناطقة بالعربية وغير الناطقة بالعربية .