الإغتصاب بموعد مسبق
كتابة الفاضلة أم سيد رضا
لا يزال حديثنا يتتابع في موضوع العلاقات الاجتماعية وقد وصلنا إلى موضوع: علاقة الصداقة بين الأفراد في المجتمع، وذكرنا حدود وأصول العلاقة بين المتماثلين في الجنس كعلاقة رجل لرجل وامرأة لامرأة وذكرنا في حديث مضى جانباً من الإجابة على سؤال (هل يمكن أن تبنى صداقة وعلاقة بين غير المتماثلين كامرأة مع رجل والفرض أنهما أجنبيان لا تربطهما علاقة شرعية كزواج ولا علاقة أخرى كعلاقات المحارم ببعضهم لبعض)، وذكرنا أن هناك تشريعات دينية وضعها الإسلام من ذلك أنه منع الخلوة والإختلاء بين الرجل والمرأة، وذكرنا ماذا تعني الخلوة وما هو رأي العلماء في ذلك، فهل مجرد تواجد رجل مع امرأة في مكان مغلق يحقق الخلوة المحرمة أو أن هناك شرطاً إضافياً وهو ألا يؤمن منهما صدور الحرام كما هو رأي أغلب العلماء المقلَّدِين في عصرنا هذا.
كان هذا أحد التشريعات التي تضبط مثل هذه العلاقة، وهناك تشريع آخر وهو المنع إما على مستوى الإحتياط الوجوبي في بعض الحالات أو على مستوى الفتوى في حالات أخر، فالمنع عن تواصل يمكن أن يؤدي إلى المحرمات، وهذا الموضوع بالذات من المواضيع سائدة في هذا الزمان، لا سيما وقد كثرت إمكانيات التواصل بوسائله المختلفة، ويكثر السؤال عن هذا مثلاً:
- أنا شاب أدخل على محادثة الواتس أب ولدي محادثة مع شابة ليس بيننا علاقة شرعية كعقد النكاح ولا صلة محرمية وإنما نحن أجنبيان فهل يجوز ذلك أم لا؟
- يقول أحدهم أنه يدخل على أحد البرامج التي توفر فرصة التواصل الصوتي وأحياناً التصويري مع العلم أن تلك المرأة تكون محجبة ويكون الحديث بينهما بكلام معقول، فهل يصح هذا أم لا؟
- أنا موظفة في العمل ولدي زميل أو صديق أتبادل معه بعض النكات والأحاديث ونتحاور، فهل هناك ضابط ديني لمثل هذا الأمر أو لا؟
لا بد أن نشير أولاً وقبل الإجابة على هذا الموضوع إلى لزوم التفريق بين فكرتين: أولا: فكرة هي موجودة غالباً في الأفق غير الشيعي وهي قاعدة سد الذرائع، فهذه الفكرة موجودة غالباً في فقه مدرسة الخلفاء وغالباً في المذهب الحنبلي وبشكل أخص في التوجه السلفي منه، وحاصلها أن ولي الأمر أو الفقيه من الممكن إذا رأى شيئاً يتسرب منه الفساد ويتوصل منه إلى الفساد أن يغلقه حتى لو كانت هناك فوائد من ذلك الشيء، وهذا نلاحظه في البيئات التي تنتهج هذا المنهج الفقهي ولعل أوضحها وأكثرها صخباً هي قيادة السيارات مثلاً، فالأساس الفقهي لقيادة السيارات عند من يمنعها من الفقهاء من أتباع المدرسة السلفية هي قضية سد الذرائع لأن هذا يجر إلى المشاكل ويفتح أبواباً من الفساد وغيرها.
نحن في مدرسة الإمامية وبعض المذاهب الأخرى لا يعتقدون بفكرة سد الذرائع لأنه أساساً لم يقم عليها دليل معتبر، وبالإضافة إلى ذلك على فرض أنه قام عليها دليل لكن ليس لها إطلاق بحيث يشمل كل مورد لأنه ما من أمر فيه خير إلا وقد خلط به شر، فهذه الدنيا خلط خيرها بشرها وصفوها بكدرها، وأن أكثر الأمور التي يستعملها الناس ويستخدمونها من الممكن أن يتطرق من خلالها الفساد، لذلك فإن هذه الفكرة في الأصل لا دليل عليها.
نعم فإن هناك أمر آخر وهو لا يرتبط بقضية سد الذرائع التي ينفذها الحاكم أو يفتي بها الفقيه وهي حِكَم التشريع، فهذا التشريع الإسلامي له حكماً وفلسفةً ومقاصد فهو لم يأتِ اعتباطاً، فإن الله سبحانه وتعالى خلق هذا الإنسان ويعلم ما توسوس به نفسه والله أقرب إليه من حبل الوريد ويعلم كل خلجة فيه وكل حركة في نفسه فوضع تشريعاً مناسباً لهذه المعرفة، ورأى المشرع أن هناك علاقة انجذاب طبيعية بين الرجل وبين المرأة فجعل لها مساراً صحيحاً عبر العلاقات المشروعة وجعل أيضاً منعاً عن العلاقات المشروعة وأيضاً جعل الموارد التي تنتهي إلى العلاقات المشروعة جعله طريقاً مغلقاً من البداية.