تحول الكتابان إلى أنهما هما السنة، هما سنة رسول الله، فإذا واحد يرد منه شيء، كأن يرد سنة رسول الله، يخالف النبي، يشاقق الرسول، لا يطيعه، يعصيه، لا يأخذ بكلامه! سيتبين بعد قليل: أن هناك فرقا بين السنة الواقعية وبين السنة المنقولة بخبر الواحد. لكن كهذه كمقدمة: كيف تم تعظيم كتابي الصحيحين في مدرسة الخلفاء؛ لنرى كلا المسألتين: هل تصحان أم لا تصحان.
بالنسبة للأمر الأول، والمسألة الأولى: وهي دعوى: إجماع الأمة على أن هذين الكتابين ما جاء فيهما هو صحيح، كل ما جاء فيهما هو صحيح. هذه الدعوى، بالنظر إلى بعض الملاحظات، سوف نرى أنها دعوى جزافية غير علمية. نجي أولا: أجمعت الأمة على صحتهما. من هي الأمة؟ سوف نجد أن الشيعة بمختلف طوائفهم – الزيدية – اللي يعتقد مدرسة الخلفاء أنهم أقرب إليهم، أقرب الفرق الشيعية إليهم، يقولون: الزيدية. هي من الأمة أو لا. لا ترى الزيدية أن صحيحي البخاري ومسلم بكاملهما أحاديثهما صحيحة. يقولون: نحن نلاحظ فيها بعض الأسانيد غير تامة، بعض المتون غير مقبولة، وبالتالي هذه الدعوى بالنسبة إلى الزيدية غير تامة، بالنسبة إلى الإمامية: الأمر واضح، أنهم ينكرون أن يكون الصحيحان صحيحين ١٠٠%. بالنسبة إلى الإسماعيلية مثلا إذا كانوا من فرق الشيعة، أيضا نفس الكلام، تحدثنا نحن عن الإسماعيلية، أثناء حديثنا عن الطوائف والمذاهب، هم أيضا يؤمنون بأئمة الشيعة إلى زمان الإمام الصادق ثم يأخذون مسار إسماعيل بن جعفر، هؤلاء أيضا لا يرون الصحيحين صحيحان.
في غير الدوائر الشيعية، الخوارج، الفئات الباقية منهم، الأباضية، وهم موجودون في عمان، موجودون في الجزائر، في بلاد المغرب العربي، قسم من القائل الأمازيغية هم أباضية، تحدثنا أيضا عنهم في سلسلة تاريخ المذاهب، هؤلاء لا يرون الكتاب، بكامله وتمامه، صحيحا ١٠٠%. نفس مدرسة الخلفاء، الفئة التي تنحو منحى الاعتزال، الآن موجود في العالم الإسلامي، غالبا أشاعرة وأهل الحديث، وأيضا تحدثنا عنهم في سلسلة المذاهب، بس هناك فئة، رأيها رأي المعتزلة، هؤلاء لا يصححون كل ما ورد في البخاري ويناقشون أحاديثه لا سيما فيما يرتبط فيها بالعقائد وما يخالفه بظاهره الأحكام العقلية
زين، تجي تشوف الشيعة بفرقها المختلفة، الأباضية من الخوارج وهم الباقون، المعتزلة، من داخل المدرسة، مدرسة الخلفاء، هؤلاء كلهم لا يرون هذه الدعوى صحيحة، فأين إذًا الإجماع، هذولا إذا كانوا يمثلون – لنفترض – ٢٥% من الأمة، ٢٠% من الأمة، كيف تقول أن الأمة قد أجمعت على ذلك! إلا إذا تعتبر هؤلاء خارج الأمة الإسلامية، بحث آخر.
تعال، في داخل مدرسة الخلفاء، هذه الدعوى أيضا غير تامة. لماذا؟ لأنه منذ تأليف الصحيحين إلى أيامنا قد انتقد أحاديثه كثير من العلماء، ومن أئمة الحديث الكبار، في تلك الأزمنة، وفي أزمنتنا المعاصرة. قد لا نجد أحدا يقول: كل الصحيحين غير تام، ولكن بعضهم ينتقد عدد من الرواة، يضعِّف عدد من الرواة، عشرات من الرواة يضعِّفهم، الروايات قريب ٢٠٠ رواية كما سيأتي بعد قليل، ضعَّفها وأعلَّها الدارقطني.
الدارقطني: واحد من أئمة الحديث وأعلامهم، توفي سنة ٣٥٦ هجرية، يعني بعد البخاري بقرن من الزمان، محدِّث بارز ومشهور عندهم، هذا عنده كتاب، اسمه: الإلزامات والتتبع، أورد فيه، أولا في الإلزامات، قال: البخاري ومسلم عندهم هذا السند الفلاني، عن فلان عن فلان عن فلان، هذا سند صحيح، ولكن أكو أحاديث كثيرة بهذا السند، لم يذكروها في كتابيهما، مع أنها أحاديث مشهورة ومعروفة، لماذا؟ أنت تقول: إذا كان هذا الحديث مستجمع لهالمواصفات فهو صحيح، زين أنا أجيب لك: ٢٠، ٣٠، ٤٠، حديث كلها مستجمعة لهذه الموصافات، وبناء على المقياس اللي أنت خليته، هذا حديث صحيح، هاي أحاديث صحيحة، لماذا لم تضعها في كتابك؟ مو أحاديث شاذة، ولا نادرة ولا مجهولة، أحاديث مشهورة.