الفلك الجارية في اللجج الغامرة ٤
كتابة الفاضلة أم سيد رضا
في الصلوات التي تستحب في هذا الشهر مؤكداً وفي سائر الشهور جاءت الفقرة التالية: (اللهم صل على محمد وآل محمد شجرة النبوة وموضع الرسالة ومختلف الملائكة ومعدن العلم وأهل بيت الوحي، اللهم صل على محمد وآل محمد الفلك الجارية في اللجج الغامرة، يأمن من ركبها ويغرق من تركها، المتقدم لهم مارق والمتأخر عنهم زاهق واللازم لهم لاحق).
تقدم لنا بعض الأحاديث في شرح قسم من مفردات هذه الصلوات، ووصلنا إلى كلمة (ومعدن العلم)، فلا بد أن نشير هنا قبل أن نبدأ في بيان هذه الكلمة إلى أن أدعية المعصومين عليهم السلام هي جزء من المدرسة العلمية الفكرية والتربوية الأخلاقية التي كان المعصومون قد أنشأوها في الأمة، أي أن مصادر العلم عند المعصومين متعددة، وأحد تلك المصادر العلمية عقائدية كانت أو فقهية أو غير ذلك فأحد تلك المصادر هو الدعاء، فالدعاء ليس مجرد أن ترفع يديك إلى خالق السماء وتطلب منه حاجتك فهذا جزء من الدعاء، ولكن جزءاً كبيراً لو لم يكن الجزء الأكبر من الأدعية هي عبارة عن معارف، ولذلك يمكن أحياناً حتى تصنيف الأدعية بحسب المعارف الموجودة فيها، فمثلاً دعاء الندبة يختلف في معارفه التي يريد أن يوصلها إلى الداعي عن دعاء عرفة للإمام الحسين عليه السلام، فهذا حزمة معارف وثقافات يريد أن يوصلها وذاك حزمة معارف وثقافات أخر يريد إيصالها، فكلها تتكامل لكي تشكل المدرسة الفكرية والعلمية والثقافية للمعصومين عليهم السلام، لذلك من المهم عندما يقرأ الإنسان الدعاء بالإضافة إلى توجهه إلى حاجته التي يطلبها من الله سبحانه وتعالى ينبغي أن يلتفت إلى المعاني والمفاهيم والأفكار الموجودة في هذه الأدعية، ومن ذلك تلك الكلمة (ومعدن العلم وأهل بيت الوحي)
معدن العلم وأهل بيت الوحي: فالمعدن هو ما يصطلح عليه الآن بالمنجم، فلو قلنا مثلاً في المنطقة الفلانية منجم الفوسفات أو منجم الذهب، ففي اللغة العربية يعبر عن المكان الذي ينشأ فيه هذا الفلز أو تلك الثروة بالمعدِن بكسر الدال، وأصلها من عَدَنَ، نجد أن هذا التعبير عندنا أيضاً فعندما نقول أن فلان عَدَنَ على فلان أو عَدَنَ على مكان أي استقر وارتاح إلى ذلك المكان، فاستقرار أحد في مكان يقال له عَدَن أو أن المكان يسمى مكان عَدن، كما جاء في قول تعالى: ((جنات عدن)) أي جنات استقرار وبقاء واستمرار.
إذاً فإن معدِن هي من هذه التركيبات، فمعدن كل شيء هو أصله ومنشأه ومكان وجوده وبقائه، فعندما نصلي ونسلم على رسول الله وأهل بيته نصلي عليهم بإعتبار أنهم معدن العلم ومكانه وأصله، فمنهم ينشأ العلم، كما مر حديث عن الإمام الحسين عليه السلام أنه قال: أفيستقي هذا الخلق العلم من عدنا ويتبعون غيرنا؟، وعلى هذه الفكرة هناك الكثير الكثير من الروايات الواردة عن أهل البيت عليهم السلام ومنها ما ورد في الكافي وفي غيره بأسانيد معتبرة بأن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنال وأنال وأنال (وعندنا أصول العلم). وهذا له تفسير جميل في القضية العلمية للأمة.
فما المفرق بينكم يا آل بيت رسول الله وبين غيركم؟
أحد أجوبته هو أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنال وأنال وأنال أي نشر علمه فأعطى هذا وذاك، ولذلك هذا التعبير ما جاء في غيرهم (أنا مدينة العلم وعي بابها)، لا يوجد أحد آخر يقال عنه أنه باب مدينة العلم، إذاً فلا يوجد عندنا في علماء الأمة غير آل محمد صلى الله عليهم أجمعين من ادعى ولو على سبيل الإدعاء اللفظي بأنه محيط بعلم الكتاب، لكن أهل البيت عليهم السلام قالوا: وعندنا علم الكتاب فكل ما عند غيرنا عندنا وليس عند غيرنا ما عندنا، فهم إذاً أهل العلم ومنشأه.