الذي في قلبي على لساني.. مانتائجها؟ ٨

الذي في قلبي على لساني.. مانتائجها؟ ٨
00:00 --:--

سلسلة الأمثال الخاطئة ٨
 
(الذي في قلبي على لساني.. النتائج والآثار)  

تحرير سماحة الشيخ جعفر البناوي

من الأقوال الخاطئة التي يتمسك بها بعض الناس قولهم: (أنا إنسان صريح، لا أجامل ولا أنافق، والذي على قلبي على طرف لساني). 

والمتحدث بذلك عادة يكون في مقام الافتخار، حيث يرى أن صفة الصراحة والجرأة، والقول في الوجه، هي ميزة ناتجة عن الشجاعة. 

وليس الأمر كذلك؛ لأن الصراحة ليست من الصفات المحمودة؛ ولأنها من الطرق الخاطئة وغير السليمة في العلاقات الاجتماعية، وهذا ما نستفيده من القرآن الكريم، وأحاديث الرسول صلى الله عليه وآله، وأئمة أهل البيت عليهم السلام. 

وقبل أن نستعرض وجوه الخلل والخطأ والاشتباه لمن يمارس هذه الفكرة، نشير إلى ملاحظتين:  

الأولى: أن القائل بهذه المقولة (أنا إنسان صريح...) ليس صادقًا على الإطلاق؛ لأن صراحته وشجاعته تظهر أمام الضعفاء، أو الذين لا يجارونه في الكلام، كالزوجة أو الزوج أو الأخ أو الجار، وأما أمام (الجبار الفلاني) أو (ربّ العمل) الذي بيده معاشه وراتبه، أو غير ذلك ممن يخشاه ويهابه؛ فإنه أضعف من أن يقول كلمة أمامهم، إذ لا قدرة ولا جرأة له على ذلك.  

فإذا كانت (الصراحة، وعدم المجاملة) من الصفات الحسنة والمقبولة، فلماذا تبرز هذه الصفة امام أشخا ص، وتختفي أمام أخرين؟ 

من لا يجامل لا يتوقف عند من هم دونه، فالشجاعة إما أن تكون أمام الجميع، وإلا أصبحت متأرجحة لجهة دون أخرى(١).  

ولذا فعلى من يتمسك بذلك المثل أن يصحح كلامه، ويغير من مثله، فيكون المثال هكذا: (أنا لا أجامل، والذي في قلبي على لساني إذا كان أضعف مني، وإن كان غير ذلك فأجامل، ولا أصارح)؛ لأن غالب من يدعي عدم المجاملة يتحفظ في صراحته، ويسكت امام من هو أقوى منه. 

الأخرى: لا بد من التفريق بين المواقف المبدئية التي ترتبط بالدين والعقيدة، وبين المعاملة مع الناس. 

في المواقف الدينية يتطلب من الإنسان أن يكون مبدئي، فالمنكر لا يعمله، ولا الكذب يجري على لسانه، ولا أي انحراف في كلام، وهذا ما ينبغي أن يكون عليه المؤمن.

ولا شك فهناك فرق بين الموقفين، فالمعاملة مع الناس يتطلب فيها المدارة والمجاملة، وقد أنزلت الأحاديث مداراة الناس بمنزلة (رأس العقل)، كما روي عن أمير المؤمنين عليه السلام: "رأس العقل بعد الإيمان بالله مداراة الناس"(٢).  

وفي رواية أخر بأن المداراة (نصف العقل) كما روي عن الإمام الحسن عليه السلام: "مداراة الناس نصف العقل"(٣).  

وفي ثالثة بأنه (نصف الإيمان) كما روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله : "مداراة الناس نصف الايمان"(٤).  

ويقول نبينا محمد صلى الله عليه وآله: "أمرني ربي بمداراة الناس كما أمرني بأداء الفرائض"(٥)، وكأنه صلى الله عليه وآله قد قسم الدين إلى قسمين: 

- قسم لإقامة الفرائض من صلاة وصوم وحج وغيرها من العبادات. 

- وقسم أخر لمداراة الناس. 

إذن: فمداراة الناس تخالف مثل هذه الأمثال القائلة بالصراحة، وعدم المجاملة؛ لأن مداراة الناس تقتضي قوله تعالى: ﴿وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾(٦). 

وحتى المواقف المبدئية للإنسان تختلف، في طريقة التعبير عنها، فأحيانًا يخضع الموقف للتقية، وأحيانًا لحساب الضرر والمنفعة، وأحيانًا في نتائج الصراحة والمواجهة، فإن العقل يقتضي حساب الربح والخسارة. 

فالحديث بصراحة مع الأخرين ومواجهتهم بأخطائهم هل سوف تؤثر فيهم تأثيرًا إيجابيًا، أم أنهم سوف يقابلون الكلام بالعناد والصدّ؟ هل العلاقة معهم أصبحت إلى الأفضل أم انقطعت بالكامل؟ 

فالعاقل يحسب حساب الربح والخسارة من صراحته، وعدم مجاملته، ولا بد من التفكير مليًا هل كلامه سديدًا أم غير سديد؟ وهل جاء كلامه في وقته أم في غير وقته؟  

مشاركة عبر:
الشيخ فوزي آل سيف

عدد المواد المنشورة: ٢,٩٧٦

أرشيف الكاتب
البحث في الموقع
الأكثر قراءة