إن من لا يحسب حسابًا إلى جميع ذلك، وإلى نتائج صراحته وعدم مجاملته فإنه أحمق، وهذا ما عبرت عنه الروايات الشريفة، فعن أمير المؤمنين عليه السلام أنه قال: "لسان العاقل وراء قلبه، وقلب الأحمق وراء لسانه"(٧).
إن العاقل يتريث في القول لذا فإن لسانه وراء عقله، فيحسب حسابًا لكلامه من أنه مفيد أم غير مفيد؟
فالعقل والقلب صمام أمان حيث يتوقف العاقل في كلامه حتى يراجع عقله، أما حينما يكون اللسان أمام والقلب وراء تصبح النتائج سلبية.
إن الله تعالى يقول: ﴿وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوًّا مُبِينًا﴾(٨) ، فالمطلوب ليس الحسنى، وإنما التي هي أحسن، فالحسن درجات، هناك الحُسن، وهناك الحسنى، والدرجة العليا هي (الأحسن).
والعلة في القول الأحسن؛ لأن ﴿الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ﴾، فالجملة هنا تعليلية، فحين يفقد القول صفة (الأحسن)؛ فإن الشيطان سوف يصنع بينهم معركة.
فيكون القائل بـ(الصراحة وعدم المجاملة) مطية للشيطان، فقد تنشب معركة، وتثير فتنة نتيجة لتلك الصراحة وعدم المجاملة.
كما أن العقائد والأحكام مقيدة بالتقية، لا سيما على مذهب أهل البيت عليهم السلام، والتقية تعني الحكمة، نعم هناك استثناءات في رفع التقية، كأن يتوقف إظهار الإسلام على هذا الأمر، أو أراد الإنسان أن يتعجل الشهادة ويلتحق في قافلة الشهداء، ورغم ذلك فهذا حكم غير عام للناس؛ لأن القاعدة العريضة التي يلتزم بها الناس هي :" التقية ديني ودين آبائي"(٩).
لذا يشكل بعض فقهاء الشيعة في صحة الصلاة المأمور بها تقية، وصلى على خلاف ما أمر به(١٠).
فالمنهج العام حال الضرر وعدم الأمن على النفس ﴿ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً ﴾(١١)، وهذا ما يوافق الحكمة.
وحتى العامة وإن كانوا لا يقولون بالتقية نظريًا، ولكنهم يطبقونها عمليًا، كما حدث في مسألة خلق القرآن (هل إن القرآن مخلوق أم قديم؟) أيام المأمون الخليفة العباسي، حيث اختفى المذهب الحنبلي عن تلك المسألة؛ لأن المأمون العباسي كان مخالفًا للحنابلة في ذلك، ولكنهم سكتوا عن الموضوع، بل أن بعضهم أقرّ بخلاف ما يعتقد به، حتى جاء (المتوكل) العباسي فأيد الحنابلة في قولهم، وعاقب مخالفيهم.
أما في العلاقات الاجتماعية فلا تبرير للصراحة وعدم المجاملة، لأنها قد تقتضي إيذاء المؤمنين، وهذا عنوان محرم، وقد ينطبق عليه عنوان الغيبة ما لم تكن في الموارد المستثناة منها(١٢).
في المقابل هناك حدود شرعية، وضوابط أخلاقية يجب على الإنسان أن يقف عندها؛ لأنه محاسب أمام الله سبحانه وتعالى على ذلك.
فبعنوان الصراحة يسب ويشتم فيكون مبغوضًا عند الله جلّ شأنه لأن "الله يبغض الفاحش البذيء".
فالتوجيه الديني الوارد من الرسول الكريم صلى الله عليه وآله وأهل بيته الطاهرين عليهم السلام يحث على المداراة وقول الأحسن من الكلام، كما في قوله صلى الله عليه وآله: "أمرني ربي بمداراة الناس كما أمرني بأداء الفرائض"، وعنه صلى الله عليه وآله: "رأس العقل بعد الايمان بالله مداراة الناس في غير ترك حق"(١٣)، وهنا لا بد من التنويه إلى أن الأمر بالمعروف خاضع لقانون ﴿وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾(١٤)، من عدم أذيّة من تأمره، أو تنهاه.
فقد لا تأخذ الصراحة وعدم المجاملة نصيبهما في التأثير والتغيير، فليس هناك من يتعرض للسب أو الشتم فيكون إلى الأحسن، أو يستجيب لك، بل يصنع العداوة والبغضاء، وقطع العلاقات، وتجديد المشاكل.
العادة أن الكلمة الطيبة والخلق الحسن واللسان الطيب والرفق في الأمور هي من تكون لها النصيب الأوفر في التأثير والتغيير.
يقول النبي صلى الله عليه وآله: " الرفق يمن، والخرق شوم"(١٥)، وعن الإمام الصادق عليه السلام أنه قال: " ما زوي الرفق عن أهل بيت الا زوي عنهم الخير "(١٦).