قسم من الناس يتصور أنه "حتى أعتذر لكم"، يعني: أقول أنا آسف. تأسفت، تندمت على جيتي إلكم. لا، ليس صحيحا هذا. هذا إشارة إلى ما ورد في القرآن الكريم، في حالة الأنبياء، إشارة إلى قول الله عز وجل في سورة الأعراف: (وإذا قالت أمة لما تعظون قوما الله مهلكهم أو معذبهم عذابا شديدا) جماعة قالوا للأنبياء: ما يفيد في هذولا الكلام، ليش تعظهم، ليش تقول لهم، هذولا آخرهم إلى جهنم وبئس المصير. (لما تعظون قوما الله مهلكهم أو معذبهم عذابا شديدا قالوا)، شنو؟ (معذرة إلى ربكم ولعلهم يتقون). يعني بعملي هذا أكون قد أعذرت إلى الله عز وجل أني أديت مسؤوليتي كاملة ولم يبق هناك أي مجال للتقصير فيها. (معذرة إلى ربكم) من جهة، أكون قد اديت كل مسؤولياتي الإلهية، واستنفدت آخر محاولاتي في هدايتهم، وأيضا (ولعلهم يتقون)، ممكن قسم من الناس تتتغير أفكارهم، وهذا حصل ها، على الأقل ما ذكره المؤرخون: كان هناك اثنان وثلاثون شخصا ممن تأثر بكلام الإمام الحسين (ع) مباشرة، وقسم منهم انضموا إليه وأصبحوا شهداء في هذا المعركة، في صف الحسين (ع). وقسم آخر بقيت تأثرهم فيما بعد، وقاتلوا في وسط معسكر بني أمية. يعني ظلت هذه القضية تتفاعل معهم، قسم منهم، مثل الحر بن يزيد الرياحي، إجا هالصوب، كان في المقدمة، كان من القادة هذا. ابنه، قيل: علي، بن الحر، وقيل: بُكير، ابن الحر، أيضا كان هكذا. وقسم من الذين تأثروا بكلام الحسين (ع) كانوا في السط، بعد ما يقدرون يطلعون من وسط ٣٠ ألف واحد. فظلوا يقاتلوا من حولهم، وقتلوا في ذلك المكان. (ولعلهم يتقون).
فإذن: "حتى أعتذر إليكم من مقدمي عليكم÷ فإن قبلتم عذري)، عذري بمعنى: حجتي هنا، مثل: عذرا أو نذرا. كما جاء في القرآن الكريم. "وصدقتم قولي وأعطيتموني النصف من أنفسكم كنتم بذلك أسعد"، وهذا يفسر معنى العذر. العذر، بمعنى أن أنا أبين إليكم حقيقة أمري، أبين لكم أفكاري، إذا طاوعتموني كنتم بذلك أسعد، وإذا خالفتوني فهذا بعد على مسؤوليتكم، "ولم يكن لكم علي سبيل. وإن لم تقبلوا عذري ولم تعطوا النصف من أنفسكم"، إذا شفتوا أن كلامي، بعد ما أتكلم معكم فيه، أنه ليس فيه حجة كافية، رح نلاحظ أن نمط لخطاب في هذه الخطبة يختلف اختلافا جذريا عن الخطبة الثانية، التي ربما، لعله بين هذه وبين تلك، ساعة أو ساعة ونص هالحوالي، بس تماما هما مختلفتان، تبعا لاختلاف الظرف، رح يتبين كيف هما مختلفتان.
" وإن لم تقبلوا عذري ولم تعطوا النصف من أنفسكم" فشنو؟ هنا يبدأ الاقتباس القرآني، من كلام نبي الله نوح، على نبينا وآله وعليه أفضل الصلاة والسلام، فقال: "فأجمعوا أمركم وشركاؤكم ثم لا يكن أمركم عليكم غمة ثم اقضوا إلي ولا تنظرون. إن وليي الله الذي نزل الكتاب وهو يتولى الصالحين".
عندنا هنا أكثر من فكرة، أول فكرة: قضية الاقتباس الفكري، من فنون البلاغة التي رأيناها في كلمات المعصومين (ع)، من رسول الله، وأمير المؤمنين، والسيدة الزهراء، والحسنين، وسائر المعصومين، أن يقتبس من القرآن آية كاملة، أو أكثر من آية، أو جزء من آية ، ويخليه في كلامه، فتكاد لا تفرق بين الكلامين، لقوة كلام المعصوم. نعم، كلام القرآن الكريم معجز، لكن يدمجه معه دمجا، حتى كأنك تراه كلاما واحدا، مع أن هناك فارق، فارق الإعجاز، لكن شدة المجانسة والمشاركة والمشابهة في الكلامين، وهذا نمط من أنماط البلاغة الكبيرة التي هي لدى المعصومين. لاحظوا هنا: "وإن لم تقبلوا عذري ولم تعطوا النصف من أنفسكم"، تبدأ آية: "فأجمعوا أمركم وشركاؤكم ثم لا يكن أمركم عليكم غمة"، نبي الله نوح، على نبينا، صلوا عليه: اللهم صل على محمد وآل محمد. يتحدث عنه القرآن الكريم فيقول: (واتل عليهم نبأ نوح إذ قال لقومه يا قوم إن كان كبر عليكم مقامي وتذكيري بآيات الله فأجمعوا أمركم وشركاؤكم ثم لا يكن أمركم عليكم غمة)، هذا اقتباس من الإمام (ع) لكلام نبي الله نوح مع قومه، ضمنه هنا، بشكل بليغ ودقيق. كمَّل هذه الآية، جاب آية ثانية من سورة أخرى: (إن وليي الله) وهذا لسان حال نبينا محمد (ص)، (إن وليي الله الذي نزل الكتاب وهو يتولى الصالحين).