نظرة وتأمل في خطبتي الحسين يوم عاشوراء ١١

نظرة وتأمل في خطبتي الحسين يوم عاشوراء ١١
00:00 --:--

فالإنسان الواعي أكثر، العارف أكثر، هذا قلبه يتأثر: "يضعف فيه الفؤاد"، "تقل فيه الحيلة"، تقدير الإنسان، يقول: مو أنه يقول هذا ما يهمني عن جهل، لا، يدري عددهم كبير، ويدري أن أنصاره عددهم قليل. ولكن هو يعتمد على قوة لا تتناهى وهي قوة الله. "أنزلته بك ووكلته إليك، فكشفته وفرجته، فأنت ولي كل نعمة ومنتهى كل رغبة"، انتهى من هذا الدعاء، طبعا هذا الدعاء نفسه، سبحان الله، نفسه قاله نبينا المصطفى محمد (ص) في معركة بدر لما رأى جموع الكفار، يعادلون على الأقل، ثلاث مرات عدد المسلمين، قرأ هذا الدعاء: اللهم أنت ثقتي في كرب، ورجائي في كل شدة"، وقد نقل ذلك الطبري وابن أثير، وغيرهما، بعضه باختصار وبعضه بتفصيل. 

ثم بعد ذلك الإمام الحسين (ع)، وجه كلامه إلى أصحابه، قال: "إن الله أذن في قتلكم هذا اليوم"، انتوا شهداء، هذا اليوم كلكم تقتلون، طبعا وأخبرهم في الليلة الماضية عن مصارعهم واستعلم نياتهم وكشف عن بصائرهم، فالآن يقول لهم هذه الساعة ساعة تنفيذ ذلك الكلام الذي قيل سابقا. 

ثم تقرب قريبا باتجاه معسكر بني أمية، بحيث يسمعه الطرفان. احنا هنا لازم نفترض عدة افتراضات: أنه كيف يسمع الإمام الحسين (ع) ذلك الجيش الكبير؟ إما أن نقول: بأن الإمام الحسين (ع) رفع صوته بأقصى ما يستطيع، وأن ذلك الجيش هدأ. الغالب أيضا أنه يصير لما يجي واحد ويريد أن يتكلم، وهو ممن يستمع إليه، الكل يحرص على أن يسمع كلامه. فالإمام الحسين ضمن الظروف الطبيعية أسمع هؤلاء، وهؤلاء، ما كان يريد. أو أسمع أكثرهم لا سيما من كانوا في مقدمات ذلك الجيش. لأن ثلاثين ألف، نحن نفترض أنه لو كان مثلا كل واحد يقف مع سلاحه وفرسه، إذا كان فارسا وغير ذلك، بمعدل مثلا متر واحد، هذا يعني يحتاجون إلى ٣٠ ألف متر مربع، وإذا كان خيول، راح يزداد العدد إلى ٦٠ ألف، طيب. 

فإما أن نقول أن الحسين، من جهة: رفع صوته بأقصى ما يمكن، وأن أولئك نظرا لأنهم كانوا يريدون أن يسمعوا: ما الخبر؟ ما القضية؟ طيب، أخفتوا أصواتهم وأصاخوا أسماعهم، أو أنه قسم منهم، لا سيما من كان في المقدمة، وهم عادة الأشخاص اللي عندهم جوانب قيادية أو عسكرية مهمة، واللي هم عندهم قيادة الجيش، أو أن نقول كما احتمله بعضهم: أن الإمام الحسين (ع) استعان بالقوة الغيبية في إسكات هذا الجمع وفي إيصال صوته. يعني أن الإمام الحسين (ع)، وهو عند الله عظيم، وله صلاحية أن يستعمل الجانب الغيبي عندما يحتاج إليه في تبليغ رسالته، بعضهم يعبر عن هذا بالولاية التكوينية، بعضهم يعبر عنه: استخدام المعجزة، وهكذا. فإما نلجأ إلى الطريق الأول، أو نلجأ إلى الطريق الثاني. 

ثم الإمام الحسين (ع) بدأ في خطبته تلك. قال: "أيها الناس، اسمعوا قولي، ولا تعجلوا حتى أعظكم بما هو حق لكم علي"، إنتوا إلكم حق علي، عجيب، لهؤلاء الناس حق على الحسين؟ نعم، هو حق الهداية. ما أخذ الله على العلماء من عهد أن يرشدوا الجهال، أن يعرِّفوا الناس الطريق. العالم ما يقدر يقعد ببيته ويحتفظ بعلمه، وينتهي الأمر. لا، لازم يعلِّم. بالطرف المقابل أيضا، غير العالم، أخذ عليه أن يتعلم، وأن يسعى، ولذلك: لو أن إنسانا جاء يوم القيامة وقال: أنا ما عرفت الأحكام، وما دريت عن العقائد، وما عرفت قضية الصلاة، ولا غسل، ولا كذا، يقولوا له: لا، تعلمت. هذا جواب أبدا ما مقبول من عندك، أنت تعاقب، لأنه كان بإمكانك أن تتعلم، وهي مسؤوليتك في ذلك، فلم تتعلم. في نفس الوقت أكو على العالم مسؤولية، وهي: أن يعلِّم، لو أن شخصا جاء إلى العالم، وسأله مسألة  في الدين على وجه الخصوص، يجب عليه، على العالم، إذا كان عارفا بها، فيجب عليه أن يخبره بالحكم الشرعي. إرشاد الجاهل وتعليم غير العالم، هذه مسؤولية العلماء. مو مطلوب منه أن يروح يطارد ورا الناس، ولكن لو جاءه أحد وسأله، وجب عليه أن يجيب، إذا لم يكن هناك مانع من الموانع. فالإمام (ع) يقول: أنتو إليكم علي حق التعليم، أنا عالم، وأنتم غير عالمين، فإلكم حق علي أعلمكم، أعظكم، أرشدكم، أخرجكم من الجهل والظلمة إلى النور والوعي، "حتى أعظكم بما هو حق لكم علي وحتى أعتذر لكم"، أو "إليكم"، "من مقدمي عليكم".

مشاركة عبر:
الشيخ فوزي آل سيف

عدد المواد المنشورة: ٢,٩٨٧

أرشيف الكاتب
البحث في الموقع
الأكثر قراءة