لك الحمد كما خلقتني سميعا بصيرا ١٣
تحرير الفاضل السيد أمجد الشاخوري
مما جاء في دعاء الإمام الحسين عليه السلام في يوم عرفة هذه الكلمات :( اللهم لك الحمد كما خلقتني فجعلتني سميعا بصيرا ولك الحمد كما خلقتني فجعلتني خلقا سويا رحمة بي وقد كنت عن خلقي غنيا، رب بما برأتني فعدلت فطرتي ، رب بما انشأتني فأحسنت صورتي، رب بما أحسنت إلي وفي نفسي عافيتني، رب بما كلأتني ووفقتني، رب بما أنعمت علي فهديتني، رب بما أوليتني ومن كل خير أعطيتني، رب بما أطعمتني وسقيتني، رب بما أغنيتني وأقنيتني، رب بما أعنتني وأعززتني، رب بما ألبستني من سترك الصافي ويسرت لي من صنعك الكافي) صدق سيدنا ومولانا أبو عبدالله الحسين صلوات الله وسلامه عليه.
بعد أن ذكر الدعاء العنواين الرئيسية لنعم الله عز وجل العامة على كل البشر وأعلن الإنسان الداعي عجزه عن أداء شكر نعمة واحدة من نعم الله تعالى عليه، وأقر بعد ذلك بحمد الله معترفا له بالعبودية وبأنه لم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك ولم يكن له ولي من الذل للمحاذير العقلية التي ذكرت في الدعاء، عاد مرة أخرى من جديد ليذكر نفسه بنعم الله عز وجل الخاصة عليه، فإن هناك من النعم ما يحيط بالإنسان، ما يحيط بالفرد في ضمن مجموعة البشر، وهناك من النعم ما هو متوجه إلى شخص هذا الإنسان نعم فردية، نعم شخصية.
والنعم الأولى التي يدخل فيها مع باقي البشر لا ريب أنها نعم عظيمة ويجب على الإنسان أن يشكرها، إلا أن النعم الخاصة على الإنسان الداعي هي أقرب للتخضع والتخشع، وهي أدعى للشكر والحمد، لذلك عاد من جديد يذكر الداعي نفسه ببعض هذه النعم فيقول ( اللهم لك الحمد - مرة أخرى- كما خلقتني فجعلتني سميعا بصيرا ) أنا كشخص من بين سائر البشر بغض النظر عن وجود من فقد ولم يكن له بصر، أنا الإنسان الداعي سميع بفضل الله وبصير، و هذا يقتضي مني حمدا.
ولو فكر الإنسان فقط في هذه النعمة، عندما يتألم هذا الإنسان ويتأثر لأنه مثلا ليس عنده المال الكذائي أو المسكن المعين أو الأثاث الخاص أو غير ذلك مما هو من الأموال، لو فكر في مقابل ذلك بأنه سميع وبصير، هاتان الحاستان اللتان هما أهم منافذ العلم والمعرفة واللذة بالحياة، إن نفس الإبصار أن يعرف الإنسان الألوان، أن يعرف الطبيعة، أن يعرف النور، أن يعرف الضياء، أن يرى أشعة الشمس هذه نعمة من النعم الكبيرة جدا لا يقدرها الإنسان لتعوده عليها.
ذات مرة رأيت تسجيلا لمقابلة مع أولئك الذين لم ينعم عليهم بالبصر منذ الصغر، هناك من يفقد بصره بعد خروجه إلى هذه الدنيا بمدة من الزمان وهناك من يأتي إلى هذه الحياة ولم ينعم عليه بالبصر فكانت المقابلة مع عدد من هؤلاء وهم في مرحلة الشباب، فالذي يجري المقابلة يسأله عن الألوان هل في بالك لون معين ؟ يقول له انا لا أعلم ماذا يعني اللون، أنت تعرف معنى اللون أنا لا أعرف معنى اللون؛ لأنه لم ير منذ وجد على هذه الحياة لم ير ألوانا، يسأله عن النور يقول أنا لا أعلم ماذا تقصد بالنور، يسأله عن أحلامه هل ترى في الرؤيا أشياء؟ طبيعة خضرة أشجار كذا ألوان؟ يقول له أنا هذا كله لا أفهمه.
فإذا فكر الإنسان في هذه النعمة البديهية التي هي عند الإنسان أنه لو كان محروما منها من أول حياته لما كان للحياة لون، لما كان للأشياء تميز.
قسم كبير من جمال الحياة هو في ألوانها، جمال الورود هو في اختلاف الألوان ودرجاتها وأنت أنعم الله عليك به، هذا في لذة الحياة له دخل.