ويضاف غلى ذلك أنها مترابطة وحيث أنها مترابطة فلابد ان يحصي الإنسان صورة كلية لها، فمثلاً نعم الله في الطبيعة مرتبطة بإستفادة الناس منها ومرتبطة ببناء بدنه، فلابد أن يلتفت لتلك الامور المرتبطة ببناء بدنه ويلتفت إلى ما هو موجود في الطبيعة حتى يستطيع أن يتعرف على ابعاد هذه النعمة،
كما أن هذه النعم خفية وغير ظاهرة، فما اكتشفه الإنسان من نعم الله عليه في بدنه وهو أقرب الأشياء إليه كالعين وما فيها من عظمة وقدرة وحكمة التي لا يعرف جهات النعمة فيها إلا المتخصص الحادق في العين وهذه ما هي إلا جزءاً بسيطاً من بدن الإنسان، فإذا لم يكتشف الإنسان نعم الله عليه في أقرب الأشياء إليه وهو بدنه، فكيف يستطيع أن يتعرف على نعم الله عز وجل التي خُدِم الإنسان فيها وهي مبثوثة في الكون.
يأتي السؤال هنا، أنه إذا كان الإنسان لا يستطيع أن يؤدي تمام شكر الله عز وجل فماذا يصنع إذاً؟
يأتي الجواب في هذه الفقرة من الدعاء التي ذكرناها وقد فصل فيها الإمام الحسين عليه السلام بعد أن ضمنّها في البداية بأنه يعتقد بحقيقة الإيمان وعزمات اليقين، ثم بعد ذلك ينتقل من جهة النفس والإيمان والقضايا المعنوية إلى جهات تفاصيل البدن فيقول: ( وأنا أشهد يا إلهي بحقيقة إيماني )، فالإيمان له مظاهر وله حقائق، مظاهره من الممكن ان تكون العبادات التي يقوم بها الإنسان كالصلاة والصيام ودفع الزكاة، ولكن حقيقة الإيمان هي ما استقر في قلب الإنسان، وينبغي أن نفرق بينهما، فقد نجد أحياناً أن مظاهر الإيمان لا تتناغم مع حقيقة الإيمان كالذين قاتلوا الحسين عليه السلام وقتلوه في كربلاء كان الكثير منهم يصلون ويصومون ولكن حقيقة الإيمان لم تكن داخل قلوبهم وإلا لما اعتدوا على سبط رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
الرجل الذي يصلي صلاته ثم لا يرعوي عن عرض جاره ويقتحم أعراض الناس ويغوي تلك الفتاة حتى تقع معه في الخطيئة، تكون هذه الصلاة التي يصليها هي مظهر فقط ولكن حقيقة الإيمان لم تكن موجودة عنده لأنها لو كانت موجودة لما استمع لإغواء الشيطان له ولم يرتكب ذلك الخطأ ولم ينزلق إلى الزنا والعلاقات المحرمة، فحقيقة الإيمان هو ما استقر في القلب وردع صاحب ذلك الفعل ونهاه عن أن يرتكب الحرام كما نُقِل عن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (ألا وإن التقوى ها هنا، وأشار إلى قلبه)، فليست التقوى في صوت جميل نقرأ به القرآن أو الدعاء وليست في إطالة الصلاة وليست في القيام بالمستحبات، فهذه مطلوبة حقاً ولكن لابد من أن تتفق معها حقيقة الإيمان حتى تكون أفضل العبادات، فعلى الإنسان المؤمن أن يبحث عن خوف الله عز وجل إن أراد بنفسه خيراً.
فيكمل عليه السلام: ( وأنا أشهد يا إلهي بحقيقة إيماني وعقد عزمات يقيني )، فعزمات اليقين هي التي يعقدها الإنسان على الطاعة، فإن مجرد القول من دون عزم لا ينفع شيئاً كثيراً، فماذا ينفع الإنسان إن قال أنا مؤمن أو إن تلفظ بلسانه ألفاظاً تدل على ذلك، فلابد من أن يكون هناك عزم معقود في اليقين.
(وخالص صريح توحيدي)، فالتوحيد الخالص الذي لا يخش إلا الله عز وجل ولا يرجو إلا الله ولا يتعلق إلا بالله وليس فيه شائبة شرك لشخص يرجو خيره من دون الله ولا شائبة خوف من طاغية يخشى عذابه وعقابه.
( وباطن مكنون ضميري )، أي أن هذه الشهادة يؤديها من داخل قلبه ووجدانه وضميره مما كنّه داخله وليس مجرد كلمة لسان خارجة من الفم، بل الأكثر من ذلك فإن هذه الشهادة نابعة من كل عضو من أعضاء بدنه كما قال عليه السلام: ( من علائق مجاري نور بصري )، فكل هذا سيشهد له عن حمده وثناءه وعجزه عن شكر نعمة من نعم الله، والطريف في الامر أن كل هذه التفاصيل التي يذكرها الإمام الحسين عليه السلام هي أنحاء من نعم الله عز وجل على هذا الإنسان.