لماذا لا يمكن إحصاء نعم الله ٩

لماذا لا يمكن إحصاء نعم الله ٩
00:00 --:--

لماذا لا يمكن إحصاء نعم الله ٩


تحرير الفاضلة أم سيد رضا

لا نزال في رحاب دعاء الإمام الحسين عليه السلام في يوم عرفة والحديث هنا في الفقرة التي يقر فيها الداعي  بعجزه عن إحصاء نعمة واحدة من نعم الله عليه، ويستشهد الداعي بكتاب الله عز وجل القائل :(( وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها ))، لكنه مع ذلك يشهد في أول الأمر بحقيقة إيمانه وبعزائم يقينه وبخالص توحيده، بل وبتفاصيل أعضاء بدنه أنه مقر بنعمة الله عز وجل، حامد له شاكر لتلك النعم، فيقول سلام الله عليه: (وأنا أشهد يا إلهي بحقيقة إيماني وعقد عزمات يقيني وخالص صريح توحيدي وباطن مكنون ضميري وعلائق مجاري نور بصري وأسارير صفحة جبيني وخرق مسارب نفسي وخذاريف مارن عريني ومسارب سماخ سمعي، وما ضمّت وأطبقت عليه شفتاي وحركات لفظ لساني ومعرز حنك فمي وفكي، ومنابت أضراسي ومساغ مطمعي ومشربي وحمالة أم رأسي وبلوغ فارغ حبائل عنقي، وما اشتمل عليه تامور صدري وحمائل حبل وتيني ونياط حجاب قلبي وأفلاذ حواشي كبدي وما حوته شراسيف أضلاعي وحقاق مفاصلي وقبض عواملي وأطراف أناملي ولحمي ودمي وشعري وبشري وعصبي وقصبي وعظامي ومخي وعروقي وجميع جوارحي، وما انتسج على ذلك أيام رضاعي وما أقلت الأرض مني، ونومي ويقظتي وسكوني وحركات ركوعي وسجودي، ان لو حاولت واجتهدت مدى الأعصار والأحقاب لو عمرتها أن أؤدي شكر واحدة من أنعمك ما استطعت ذلك إلا بمنك الموجب عليّ به شكرك أبداً جديداً، وثناء طارفاً عتيداً ).

هذا ما يقوله الإمام الحسين عليه أفضل الصلاة والسلام في دعائه، فيقول لا أستطيع لا أنا ولا غيري ولو اجتمع معي العادون على أن نؤدي شكر أنعمك بل ولا نستطيع إحصاءها فضلاً عن شكرها، لأن مرتبة الشكر تأتي بعد مرتبه الإحصاء، فلو أراد إنسان ان يشكر إنسان آخر على جمائله تجاهه وعلى عطاياه إليه لقال أنت أعطيتني كذا وكذا وتفضلت علي في الموقف الفلاني وأنا أشكرك على ذلك، فمرتبه الإحصاء قبل مرتبة الشكر ولو استطاع الإنسان أن يحصي نعم الله عليه فحينئذ يستطيع ان يؤدي تمام شكره، وحيث أنه لا يمكن للإنسان ان يحصي نعمة واحدة من نعم الله عز وجل عليه فلهذا لا يستطيع أن يؤدي تمام شكر الله عز وجل، ولكنه يستطيع إعلان عجزه عن شكر الله وهذا شكرٌ لله عز وجل، كأن يقول: أنا يا إلهي عاجز عن شكرك وغير قادر على حمدك ولكن مع ذلك أعترف لك بألوهيتك وربوبيتك وأشكر كل نعمائك وإن كنت غير قادر على إحصائها.

لماذا لا يستطيع الإنسان ولو رفده العادّون بأن يحصي نعم الله عز وجل؟

إن ذلك راجع اولاً إلى عدم قدرته على الإحاطة بها، فالإنسان حتى يحصي شيئاً فلابد أن يحيط به علماً، فمثلاً لو أراد أن يحسب مساحة مسجد فلا بد له ان يعرف جميع أبعاده وأطواله ويحيط بها علماُ حتى يستطيع الحصول على المساحة، وأما إن لم يتمكن من ان يعرف أبعاد المسجد أما لعظمتها او لجهله بها فلن يكون قادراً على إحصاء مساحته، كذلك هي نعم الله الباطنة والظاهرة لا نستطيع ان نحيط بها علماً ولا نعرفها، أكثرها غير معروف بالنسبة لنا فكيف نستطيع إحصاءها.

هناك جهة أخرى وهي ان هذه النعم ليست متوقفة بل هي مستمرة فهي متغيرة الأبعاد، كما ذكرنا في مثال حساب مساحة المسجد لا بد أن تكون أبعاده ثابتة غير متغيرة حتى نستطيع حسابها ولكن إن كانت تتغير بين ساعة وأخرى فكيف لنا أن نحسبها؟، فنعم الله عز وجل حيث انها متجددة ومستمرة ونامية فهي غير متوقفة وغير منتهية ولذلك لا يستطيع الإنسان ان يحصيها، فهو يستطيع إحصاءها في برهة زمنية جدلاً ونظراً ولكن هذا ليس إحصاء حقيقي، فخلال يوم واحد تتجدد للإنسان من النعم ما لا يستطيع العلم به فكيف يحصي كل نعمه في هذا اليوم،

مشاركة عبر:
الشيخ فوزي آل سيف

عدد المواد المنشورة: ٢,٩٦٤

أرشيف الكاتب
البحث في الموقع
الأكثر قراءة