فإن دعوتك أجبتني وإن سألتك أعطيتني ٨

فإن دعوتك أجبتني وإن سألتك أعطيتني ٨
00:00 --:--

فإن دعوتك أجبتني وإن سألتك أعطيتني


تحرير الفاضلة أم سيد رضا

جاء في دعاء الإمام الحسين عليه السلام في يوم عرفة: ( ثم إذ خلقتني من خير الثرى لم ترضى لي يا إلهي نعمة دون أخرى ورزقتني من أنواع المعاش وصنوف الرياش بمنّك العظيم الأعظم علي وإحسانك القديم إلي حتى إذا أتممت علي جميع النعم وصرفت عني كل النقم لم يمنعك جهلي وجرأتي عليك أن دللتني على ما يقربني إليك ووفقتني لما يزلفني لديك، فإن دعوتك أجبتني وإن سالتك أعطيتني وإن أطعتك شكرتني وإن شكرتك زدتني، كل ذلك إكمال لأنعمك علي وإحسانك إلي، فسبحانك سبحانك من مبدئ معيد حميد مجيد تقدست أسماؤك وعظمت آلاؤك، فأي نعمك يا إلهي أحصي عدداً وذكراً أم أي عطاياك أقوم بها شكراً وهي يا رب أكثر من أن يحصيها العادّون او يبلغ بها علم الحافظون، ثم ما صرفت وذرأت عني اللهم من الضر والضراء أكثر مما ظهر لي من العافية والسراء ).

سبق الحديث أن الإمام عليه السلام يعدد العناوين الكبرى في نعم الله على الإنسان من أجل أن يوجهه إلى عظمة هذه النعم ويترتب على ذلك أن معرفة الإنسان بأنعم الله عليه يفترض أنها تسوق إلى شكر منعمه، وقد حدد الشكر المنعم بعبادة الله عز وجل كما جاء بها وبطريقتها الأنبياء والرسل، فبدأ عليه السلام بالحديث عن أن نعمة الباري على الإنسان سبقت وجود  الإنسان وإيجاده بمراحل زمنية سحيقة جداً، ثم تابع الله سبحانه وتعالى نعمته عليه في إيجاده وخلقه وهيأ له الأجواء المناسبة لكي يحيى ويعيش وأكمل وأتم خلقته في جميع أعضائه في أحسن تقويم وأجمل شكل ووفر له النعم من حوله وعطّف عليه قلوب الحواضن وكفّله الأمهات الرواحم، إلى غير ذلك مما سبق ذكره، ثم امتن الله عليه بأن دله على خالقه وهداه إلى بارئه لكي يحقق غاية وجوده وكمال عبوديته لربه بل ويحقق كمال هدف خلقته.

هذه الفقرة من الدعاء تتناول جوانب أخرى من النعم الإلهية والمنن الرحمانية، فالدعاء يقول: (ثم إذ خلقتني من خير الثرى لم ترضى لي يا إلهي نعمة دون أخرى)، فخير الثرى: أي أطيب الثرى وأكمل وأحسن الثرى، وكذلك ما ورد في بعض النسخ ( حر الثرى ) أي أعلاه وأحسنه وأصفاه، وحسب التعبير المعاصر هو أن المواد الأولية التي خلق منها الإنسان هي أفضل وأحسن المواد بما يتناسب مع خلقته، وهذا لا يتناقض مع ما ورد في نصوص الدين من أن الإنسان خلق من ماء مهين أو من صلصال من حمأ مسنون وما شابه ذلك، فإن مثل هذه الخطابات ناظرة إلى الجانب الأخلاقي بأن الإنسان عندما ينظر لنفسه مقابل ربه ومقابل النعم التي أنعم الله بها عليه فهو لا يسوى شيء أمام كل هذا، وأما إذا نظر إلى الشيء بإعتباره من خلق الله عز وجل بغض النظر عن تلك الجهة الاولى فإننا نلاحظ أنه خلق من أحسن وخير الثرى وقد كرم الله الإنسان، ولذلك نرى أيضاً أن تكاثر وتناسل المخلوقات هو أرقى شيء في سلسلة المخلوقات.

الإمام عليه السلام يقول لله بأنك يا إلهي خلقتني من خير الثرى وبتلك الخلقة العالية والسامية ومع ذلك لم تكن نهاية لنعمتك، بل نوّعت علي النعم، فلو أخذنا مثالاً على ذلك في طعام الإنسان نجد أن الإنسان يكفيه لنمو بدنه بعض الأطعمة كالقمح مثلاً واللحوم وبعض الفواكه ومن الشراب الماء، لكن الله سبحانه وتعالى جعل نعمه على عباده في قضية الطعام والشراب لا حدود لها، فيتعب الإنسان وهو يحسب انواع وأشكال النعم الإلهية في المطعم والمشرب، فالله عز وجل الجواد بطبعه والفياض بذاته أغدق على الإنسان نعمه وعطاءه فلم يرضى له نعمه دون أخرى وإنما أهال عليه النعم كلها وأعطاه العطايا بلا حدود.

مشاركة عبر:
الشيخ فوزي آل سيف

عدد المواد المنشورة: ٢,٩٦٤

أرشيف الكاتب
البحث في الموقع
الأكثر قراءة