لم تخرجني في دولة أئمة الكفر الذين نقضوا عهدك ٥
تحرير الفاضلة أمجاد حسن
جاء في دعاء الإمام الحسين (ع)، في يوم عرفة، الفقرة التالية، من قوله: "اللهم إني أرغب إليك، وأشهد بالربوبية لك، مقرا بأنك ربي، وأن إليك مردي، ابتدأتني بنعمتك قبل أن أكون شيئا مذكورا، وخلقتني من التراب ثم أسكنتني الأصلاب، آمنا لريب المنون، واختلاف الدهور والسنين، فلم أزل ظاعنا من صلب إلى رحم، في تقادم من الأيام الماضية، والقرون الخالية، لم تخرجني لرأفتك بي، ولطفك لي، وإحسانك إلي في دولة أئمة الكفر، الذين نقضوا عهدك، وكذبوا رسلك"، صدق سيدنا ومولانا أبو عبد الله الحسين صلوات الله وسلامه عليه.
هذه الفقرة هي الفقرة الثانية في ترتيب الدعاء، وتبدأ بإبراز الرغبة إلى الله عز وجل والشهادة والإقرار. ثلاثة أمور وثلاث مفردات تتقدم هذه الفقرة لتمهد ذكر بعض نعم الله عز وجل. "اللهم إني أرغب إليك"، الرغبة فيما ذكروا في اللغة هي: طلب الشيء عن إصرار، وعن توجه. وتتأثر بما يضاف إليها من الحروف بل قد تتغير في معناها.
قد يقول الإنسان: أنا راغب فيك، وقد يقول: أنا راغب إليك، وقد يقول: أنا راغب عنك. الرغبة في الشيء وإلى الشيء: تعني الطلب والحرص على الوصول إليه، تقول: أنا راغب في عفو الله عز وجل، بعدما أتبعت فعل أرغب بحرف في، هذا يدل على شدة الحرص والطلب لذلك الشيء، أنت تطلب عفو الله عز وجل بقوة وبحرص، وقد تكون هذه الرغبة، رغبة مادية، وقد تكون الرغبة معنوية. أنت ترغب في الأكل الفلاني، تحرص على الوصول إليه، وترغب – إذا كنت رجلا – في المرأة الفلانية، هذه طلب مادي ورغبة مادية. وبالعكس المرأة ترغب في زوجها.
وكذلك الأمر، في الرغبة إلى، لكن يظهر من بعض الاستعمالات أن الرغبة التي يأتي بعدها حرف: إلى، غالبا ما تأتي في المسائل المعنوية، في العلاقات، التي هي ذات جانب معنوي، إيماني، روحي، لهذا يستخدم الدعاء هذا اللفظ، مثلا هنا، لا يستخدم: اللهم إني أرغب فيك، إنما "اللهم إني أرغب إليك"، لأن الرغبة التي يتلوها حرف إلى، غالبا ما تشير إلى طلب وحرص على أمر معنوي، غالبا الأمر هكذا. والرغبة في الشيء، غالبا ما تشير إلى طلب وحرص مادي. فلان يرغب في المال، فلان يرغب في الطعام، فلان يرغب في النكاح، وهكذا.
فأولا: يبدأ الدعاء الشريف بهذا القول: اللهم إني أرغب إليك"، ها واحد: بيان موقف الداعي في شدة طلبه لله عز وجل، وشدة حرصه في بناء علاقة معه، إذا كان غيرك في أمور المادة، ويقتل نفسه من أجل الشهوات، فأنت في مقام من يرغب إلى الله عز وجل، شدة حرصك وغاية طلبك، هو بناء علاقة مع الله عز وجل، هذا واحد.
ثم يقول: "وأشهد بالربوبية لك"، الشهادة في اللغة، كما ذكروا أصلها: الحضور مع علم وإعلام، في القرآن الكريم: "فمن شهد منكم الشهر فليصمه"، الشهر هنا بمعنى: الهلال، الذي يشهد الشهر، يعني يكون حاضرا ورائيا للهلال ويكون في بلده، "فمن شهد منكم الشهر فليصمه"، الشهادة هي: نوع حضور، تقول: فلان شهد الموقف الفلاني، يعني كان شنو؟ حاضرا فيه، لا بد أن يكون عالما به، ومنه أخذ القيام بالشهادة، أن الإنسان إذا أراد أن يشهد، أن يكون حاضرا للحدث عالما به، ثم يؤدي علمه. الشهادة فيها حضور، فيها علم بذلك الشيء المشهود، وفيها أيضا فيما بعد: إعلام، أداء الشهادة.
لاحظوا هاي، قضية الشهادة، عندما نقف أمام قبر أحد المعصومين، نؤدي الشهادة، "نشهد أنك قد أقمت الصلاة وآتيت الزكاة، "أشهد أنك قد بلغت الرسالة، وأديت الأمانة ونصحت الأمة" بالنسبة إلى رسول الله، الشهادة شيء فوق مسألة العلم، تارة الإنسان يكون عالما أن رسول الله قد بلغ رسالة ربه، ومرة أخرى لا، كأنه كان شاهدا وحاضرا في تفاصيل رسول الله، يقول: أنا العلم اللي عندي من اليقين والقطع والوثاقة كما لو كنت شاهدا كيفيات أداء رسول الله لرسالة ربه، مع أن الفاصلة بينك وبينه، بين النبي وبين جهادة قد تمتد إلى أربعة عشر قرنا، ولكن في وثاقتك ووكادة أمرك، تنزل نفسك منزلة من كان حاضرا: "أشهد أنك قد بلغت عن الله"، كأني أنا كنت حاضر وقاعد وياك في طول هذه الفترة، فالشهادة هي من العلم بهذه الدرجة، كأن الإنسان حاضر، ولذلك ورد في الروايات عنهم (ع)، وقد أشار إلى الشمس، وقال: "ترى هذه؟"، يعني الشمس، قال: "بلى"، قال: "على مثل هذا فاشهد، وإلا فدع".