شرح دعاء الامام الحسين في عرفة : مقدمات ١
تحرير الاخت الفاضلة أمجاد حسن
في بحار الأنوار، نقل شيخنا العلامة المجلسي، المولى محمد باقر، قال الكفعمي في حاشية البلد الأمين، وذكر الحسيب النسيب رضي الدين بن طاووس في كتاب مصباح الزائر، قال روى بشر وبشير الأسديان، أن الحسين بن علي بن أبي طالب، خرج عشية عرفة من فسطاطه متذللا خاشعا، فجعل يمشي هونا هونا، حتى وقف هو وجماعة من أهل بيته وولده، ومواليه، في ميسرة الجبل، مستقبل البيت، ثم رفع يديه تلقاء وجهه، كاستطعام المسكين، ثم قال: الحمد لله الذي ليس لقضائه دافع، ولا لعطائه مانع، ولا كصنعه صنع صانع"، إلى آخر فقرات الدعاء.
نبدأ بفضل الله عز وجل وعونه، في هذا اليوم، بالحديث عن شيء من الشرح لدعاء الإمام الحسين (ع)، في يوم عرفة. وقد سبق أن تحدثنا في إحدى ليالي محرم الفائت، عن هذا الدعاء بصورة إجمالية، فكانت رغبة عدد من المؤمنين، أن يتم شرح هذا الدعاء والإشارة إليه، لا سيما، وأن أكثر الحجاج، من أتباع أهل البيت (ع)، في كل سنة ، عندما يأتي يوم عرفة، يقرؤون هذا الدعاء، في صحراء عرفات، بلغنا الله وإياكم، حج بيته الحرام في عامنا هذا وفي كل عام، بل حتى الذين لا يذهبون إلى الحج، ويوفقون إلى زيارة الإمام الحسين، في يوم عرفة، يقرؤون هذا الدعاء، بل أكثر من ذلك، حتى عامة الناس في يوم عرفة، في مناطقهم وأماكنهم، يقرؤون هذا الدعاء، ونعم ما يفعل الجميع ويصنعون؛ لأن هذا الدعاء من الأدعية الاستثنائية، في عباراته ومعانيه.
إذ يجمع جهات متميزة منها: جهة القائل، وهو سيد الشهداء أبو عبد الله الحسين (ع)، والد الأئمة، والسبط الثاني لرسول الله (ص)، فإذا نطق، لن ينطق إلا عن محض الحق، فهذه جهة القائل تكسب الدعاء، ميزة خاصة.
جهة المكان أيضا، عندما قرئ الدعاء، هو في صحراء عرفات، في ذلك المكان الذي ندب للإنسان أن يعترف بذنبه ليعرف ربه، لاحظوا أن مناسك الحج، بعد الإحرام، تبدأ بالذهاب إلى عرفات، بعد أن ينتهي الإنسان من عمرته، عمرة التمتع، يحرم للحج، بعد الإحرام ينطلق إلى صحراء عرفات، وكأن هذا المكان، هو بوابة الدخول إلى الحج، منها يعترف ثم يزدلف، ثم يبلغ مناه: عرفات، مزدلفة، منى. هكذا تتابع أعمال الحج. المكان الذي نقل أن تعارف حواء وآدم بعد افتراقهما كان فيه، في عرفات، على ما ورد في بعض الروايات. فالمكان هذا مكان شريف، "إن من الذنوب"، عندنا في الروايات، "إن من الذنوب ما لا يغفره إلا الوقوف بعرفات"، وهذا يبين أهمية هذا المكان وقداسته.
الزمان أيضا، زمان الحج، الأشهر الحرم، ذو الحجة، في اليوم التاسع، من شهر ذي الحجة، فيجتمع في هذا الدعاء خواص القائل، والزمان والمكان، وبعد ذلك خواص في المضمون والمعنى، إذا توجه إليها الإنسان، فهذا أصل الدعاء وما يرتبط به.
الذي نقله عن الإمام الحسين (ع)، ويظهر أن – من خلال مقدمة الدعاء – الإمام الحسين اصطحب معه أهله وأصحابه ومواليه، لم يكن دعاء فرديا خاصا مثلا، في جوف الليل، أو بعض الأدعية الإمام (ع)، الحسين أو الإمام السجاد، يقرؤها لوحده، افترض مثلا: دعاء الحزين بعد صلاة الليل، الإمام السجاد يقرؤه منفردا ليس معه جماعة، هذه اصطحبهم إياه، يعني قل لهم امشوا نروح إلى سفح الجبل، وفي هذا إبراز نوع مزية واهتمام.
وهذا أيضا يفسر إلنا، واحد من أشكال انتقال الأدعية الطويلة عن المعصومين (ع)، وقسم من الناس يقول مثلا: كيف أن هذه الخطب والأدعية مع طولها تنتقل إلينا؟ جواب على ذلك: لا سيما في تلك العصور، أن حافظة الناس كانت حافظة قوية، لأنهم في الغالب لم يكونوا يعتمدون على الكتابة وإنما يعتمدون على الحفظ، والمجتمع، إذا صار كله هكذا، قدرة الحافظة فيه تكون كبيرة، وبمقدار ما ابتعد عن الاعتماد على الحفظ واعتمد على الكتابة تقل نسبة الحفاظ، مثالها الآن جدا واضح. قبل مثلا ٤٠ سنة، أو أكثر أو أقل، حفظ جدول الضرب عند الناس جدا كان شنو؟ سهل، الجمع والطرح يسير، حتى الأمي كان بالنسبة إلى الجمع والطرح متيسر، الآن طالب في المدرسة، ربما متوسطة أو ابتدائية أو غير ذلك، أبسط المسائل يقول لك أروح أشوف شنو؟ الحاسبة. لا يعتمد فيها على حافظته وعلى جهده الذهني، ليش؟ لكثرة الاعتماد على الآلة. ولذلك في بعض البلاد، هناك مدارس استثنائية، تمنع على طلابها أن يستخدموا أي شيء يرتبط بالآلة، لأنه بنفس المقدار، سوف يضعف قدرة الذهن الرياضية الطبيعية. لذلك تجد أيضا في الزمن السابق حفاظ القرآن، عدد جدا كبير، ذكروا، نقلوا أنه في معركة اليمامة، في زمان الخليفة الأول أو بعدها، في زمان الخليفة الثاني، قيل إن الذين قتلوا في تلك المعركة، من حفاظ القرآن، بين مقل، يقول: ٧٠، وبين مكثر، يقول: ٧٠٠. هذا فقط الذين قتلوا من الحفاظ في المعركة، مو كل الناس، ما كان هناك ذاك الوقت مدارس حفاظ وما شابه ذلك، لكن طريقة الناس وسليقة الناس كانت نحو الحفظ بشكل كبير. وإلى الآن، تجد قدرة الحافظة عند قسم من الناس قدرة متميزة، أطفال وطفلات يحفظون ويحفظن القرآن، وبعضهم وبعضهن، يضيفون إلى ذلك نهج البلاغة، طيب. فقدرة الحفظ كانت في تلك الأزمنة قدرة قوية، نظرا لأن طبيعة المجتمع كان لا يعتمد على التدوين وإنما يعتمد على الحفظ مع أن المعصومين (ع)، كانوا يحثون دائما على كتابة العلم: "قيدوا العلم بالكتابة". قيدوه، يعني لا يشرد. ومنقول عن أمير المؤمنين (ع): "العلم علمان: مسموع ومطبوع، ولا ينفع المسموع ما لم يك مطبوع". يعني هناك شيء فقط في السمع، وهذا من الممكن أن ينسى، وأكو شيء مكتوب، مخطوط، مطبوع، على الورق، أو على الأكتاف والجلود، وهذا هو الباقي الذي ينفع.