كيف تركت الناس من خلفك؟ فقال اما أشراف الناس أيّ في الكوفة إذ أنّ المقصود ب(أشراف) لا يعني أنّهم شرفاء، وإنّما المقصود هم الشخصيات الاجتماعية و رؤساء القبائل، فقال: (أما الأشراف فقد أعظمت رشوتهم وملئت غرائرهم)(٢)أيّ أنّ السلطة الأموية أعطتهم أموالاً كبيرة بمثابة الرشوة وذلك لكسْب موقفهم وملأتهم غرائرهم أيّ أن أكياس المال خاصّتهم مملوءة فهم عليك اشتروا موقفهم، أما عامة الناس فقلوبهم معك وسيوفهم عليك(٣) عندها قال الإمام الحُسين (عليه السلام) الناس عبيد الدنيا والدين لعق على ألسنتهم، فهذا الكلام ضمن هذا الظرف بمعنى أنّ الإمام عليه السلام ناظرٌ لهذه الجماعة التي نتحدث عنها إذ أنّهم عظمت رشوتهم، ولا يقفون موقف الحق بل ينتظرون العطاء والجزاء من السلطة فهؤلاء عبيد الدنيا، وأما فيما يخص أنصاره على سبيل المثال، فهم
الذين كانوا معه و هم و إنْ كانوا من الناس إلا أنّهم ليسوا عبيد الدنيا، فالقرينة هذه يسمونها القرينة المقامية أيّ القرينة الحالية على أنّ مقصود الإمام الحسينْ (عليه السلام) ليس عاماً وشاملاّ لكل زمان ومكان أو لكل الناس وإنما لفئة معينة مخصُوصة. ومن هذا القبيل أمثلة كثيرَة مما قاله المعصومون وقاله رسولنا ( صلى الله عليه واله) لكن لا يمكننا التعرض إليها حتى لا يطول بنا الحديث، فهذا جواب.الجواب الآخر: أنّه ليس من الممكن أن يكون هذا الكلام كلاماً عاماً ولكنْ تحصل له فيما بعد استثناءات مثل القران الكريم يقول "وَكَانَ الْإِنسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلً"(٤) هنا يتبيّن لنا أنّ ظاهر هذه الآية هو أنّ كل إنسان بمن فيهم رسُول الله، بمَن فيهم الأنبياء، بمن فيهم الائمة، بمن فيهم جميع
المسلمين، و لكن يتبين لنا بعد ذلك استثناء فيقول عزّ وجل عنْ رسول الله (صلى عليّه وآله) أنّه سارع إلى مرضاة ربه، وسبق الجميع في استجابة عالم الذر، ثمّ يتبيّن لنا بعده حديثاً آخر فيُثني على المعصوم، فيتبيّن حديثٌ ثالث ويثني على هؤلاء الناس فذاك محفوظ في مكانه وكأنه سبحانه وتعالى يريد أنْ يقول أن الإنسان أكثر شيء جدلاً إلا من سنستثني فيما بعد حيثُ نجد في القرآن الكريم عبارات مثل "إنّ الإنسان لكفور"(٥) وكثيرٌ من عبارات هذا النوع كثيرة فهل معنى ذلك أنّ كل إنسان هو كفور؟ بمن فيهم المؤمنون بمَن فيهم المَعصُومون بمن فيهم الأنبياء؟ كلا، وإنما هذا بمثابة شعارٍ عام ولكن يستثنى منه فيما بعد من يكونْ خارجَاً "فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ
رَبِّي أَكْرَمَنِ * وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ" (٦) هل أنّ كل الناسْ هكذا هلْ كل بني الإنسان هكذا؟ كلا وإنما هذا على نحو الإجمال في الجَملة فالإنسان هكذا لكن يُمكن فيما بعد أن يأتيْ ويستثني فيقول إلا هذا، إلا ذاك ويستثني إلا تلك الفئة. كذلك في جانب (الناس عبيد الدنيا) و بناءً على المعنى الأول والتوجيه الأول فمن الأصل هذا ليس عاماً وشاملاً لكل أحد وإنما هو خاصٌ بجَماعة كان الحديث عنهم وهم من عظمت رشوتهم وملئت غرائرهم أو الذين تقاعسوا عن نداء الحُسين عليه السلام فهم تلك الفئة في زمان الحسين عليه السلام، فمن الأصل هذا لمْ يكنْ شاملاً لكل الناس في كل الأزمنة.المعنى الثاني: نجد المعنى وإنْ كان شاملاً باللفظ إلا إنه
فيما بعد نجد الاستثناء والإخراج والتخصيص قد دخل عليه الناس عبيد الدنيا (إلا من تدين تدينا صحيحاً)، (إلا منْ اتبع النبي)،(إلا منْ سَار مع الوصي)، إلا من كذا وإلا من كذا حيثُ لا يوجد مانع من ابتداء الكلام في هذا الاتجاه. نأتي إلى الكلام ذاتُه {الناس عبيد الدنيا والدين لعق على السنتهم يحوطونه ما درت معايشهم فاذا محصوا بالبلاء قل الديانون} فنجد وكأنما الإمام قد استخدم كل بلاغة التشبيه هنا، فقد عقد صلة بينَ الناسْ وبين العُبودية وكأن الدنيا مالكةٌ له، وبعد ذلك نجد الدين لعق (مسحة) في الواقع، فإنّ اللعقة والمسحة ليست شيئاً ثابتاً ومرتكزاً، ولعق على ألسنتهم أيّ يحوطونه و يحافظون عليه متى؟ ما درت معايشهم، فكيف أنّ البقرة تدرّ حليباً كثيراً كذلك المعايش تدرُّ على الإنسان فإذا