في رحاب دعاء الإمام الحسين عليه السلام يوم عرفة ١تفريغ نصي الفاضلة أم سيد رضا ينبغي ان نلاحظ ملاحظة قبل الولوج في هذا الدعاء، نعتقد أن الدعاء في مدرسة اهل البيت عليهم السلام هو أحد منافذ المعرفة الدينية وقد استخدم أئمة أهل البيت عليهم السلام طريقة الدعاء في بث المعارف الدينية والاخلاقية مثلما استعملوا طريقة الدرس والتدريس وإلقاء الحديث، فليس الأمر أن الإمام الحسين عليه السلام كان يقول كلمات مسجوعه أو طلبات مختصرة لله عز وجل وإنما كان من خلال تحميده لله تعالى وتسبيحه وتهليله إياه يبين الصفات العليا لله فيعطينا بذلك دروساً في التوحيد ويعرفنا جانباً من أسمائه الحسنى وصفاته العليا ويحدد لنا ما الذي في قدرة البشر الوصول إليه في معرفة الله عز وجل، وهكذا عندما يتحدث الإمام
عليه السلام داعياً يطلب من ربه سبحانه وتعالى حزمة من المطالب وهنا يمكن أن نستفيد دروساً أخلاقية كتلك الأمور التي تعيق حركة الإنسان باتجاه ربه كما في مناجاة زين العابدين لله عز وجل في مناجاة الشاكين عندما قال: ( اللهم إني أشكو إليك نفساً بالسوء أمارة وإلى الخطيئة مبادرة، تسلك بي مسالك المهالك وتجعلني عندك أهون آلك، كثيرة العلل، طويلة الأمل... )، إلى سائر ما وصف به هذه النفس الأمارة، ثم ينعطف على الشيطان وعلى الأعداء الخارجيين، يتبين ان هناك مجموعة من العوائق أمام الإنسان تعيقه عن الوصول والسمو في رحاب الله عز وجل.قد لا يكون هذا الامر درساً على الطريقة المعتادة ولكن من يتأمل في هذه الأدعية وفي هذه المناجاة يجد نفسه أمام مدرسة كبرى من مدارس أهل البيت
عليهم السلام، ونحن نعلم أن أئمتنا وهم المعصومون قولهم حجة سواء كان ذلك القول في طريقة أمر وإنشاء او كان في طريقة بيان حكم فقهي أو كان على طريقة دعاء من الأدعية، ولذلك وجدنا علمائنا رضي الله عنهم يستدلون في كثير من الاحيان في الفقه بما جاء في أدعية أهل البيت عليهم السلام نظراً لأن هذه الادعية مع صحة سندها هي نفس القيمة التي توجد للأحاديث الفقهية المسندة والأحاديث العقائدية صحيحة السند وهكذا.لذلك عندما نقرأ الدعاء ينبغي لما ان نقرأه ضمن منطق وهو أننا أمام مدرسة معصومة وأمام كلام فيه معاني كثيرة وعلينا الإستفادة منه.ينعطف الإمام عليه السلام بعد ذكر حمد الله وبيان صفاته وتعداد جانب من انعم الله على هذا الإنسان الداعي إلى أمرين: الأمر الأول: التسبيح.الامر الثاني: بيان
العجز عن الإحاطة بشكر انعم الله عز وجل.متى يستطيع الإنسان أن يحيط بصفات شخص آخر؟ هو عندما يكون لهذا الإنسان قدرة على فهم ذلك الطرف والإحاطة بحدوده، أما إذا كان ذلك الطرف لا حدود لنعمه ولا حدود لصفاته ولا لأسمائه فكيف يمكن لهذا الإنسان الضعيف العاجز ان يحيط خبراً وعلماً بأنعم الله عز وجل.فالإمام الحسين عليه السلام يقول: ( أجل لو حرصت أنا والعادون من عبادك على إحصاء أنعمك سالفها وآنفها ما قدرت أنا ولا هم، كيف وأنت القائل في كتابك وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها )، لا يمكن للخلق بشراً كانوا أو غير بشر أن يحيطوا بأنعم الله عز وجل وهو المخلوقة فكيف يحيطون به سبحانه وهو الخالق، فإن كانوا لا يستطيعون أن يحيطوا علماً بما هو مخلوق
لله عز وجل فكيف يستطيعون أن يحيطوا علماً بالخالق؟، لذلك يرفع الإمام عليه السلام راية التسبيح ويقول: ( فسبحانك سبحانك )، فقد أتي بالتسبيح هنا حتى ينزهه عن أن يحاط به علماً وعن أن يعرفه خلقه بتمام المعرفة وأن الله سبحانه وتعالى ليس شيئاً له حدود حتى يحاط، وفي هذا معنى يرد على من قال من المسلمين أن الله تعالى يمكن رؤيته يوم القيامة كما زعموا.الرؤية: نوع إحاطة ونوع إدراك وشمول وهذا يعني ان الله محدود ويمكن أن يحصر في جهة حتى ينظر إليه وحاشر الله عن ذلك.لذلك فإن الإمام عليه السلام يرفع راية التسبيح وينزهه عن الضعف والعجز وينزهه عن أن يكون محدوداً ومحاطاً ومعلوماً.ومع ذلك فإن الإمام عليه السلام يقول: ( أقول مؤمناً موقناً الحمد لله الذي لم