أحكام فقهية مرتبطة بالقرآن
تفريغ نصي الفاضلة أمجاد عبد العال
تصحيح الفاضلة افراح البراهيم
(إنّه لقرآنٌ كريم. في كتاب مكنون. لا يمسّه إلا المطهّرون. تنزيلٌ من رب العالمين)١.
حديثنا بإذن الله تعالى حول هذه الآيات المباركات، والأحكام التي ارتبطت بالقرآن الكريم ، وقد وردت هذه الآيات في سورة الواقعة وهي من السور التي ورد الحثّ على قراءتها كثيرًا ، وندب إلى حفظها، حيث يستشعر الإنسان تلك المعاني التي وردت فيها لا سيما مشاهد يوم القيامة وما بعدها من نعيم الجنة و من مشاهد السوق إلى النار ، وقضايا المحشر والبعث وغير ذلك .
هذه السورة العظيمة تنقل الإنسان من غفلته عن ذلك العالم وانشغاله بأمور الدنيا لتفتح له نافذة على ذلك العالم، الذي سيصير إليه، حتى يتفكّر الإنسان في ذلك المصير ؛ ذلك لأنّ نسبة التفكير في عالم ما بعد الحياة الدنيا بالنسبة لنا، هي أقل بكثير مما يستحق ، فلوكنا نعيش في هذه الحياة الدنيا مثلاً ثمانين سنة أو تسعين سنة أو مئة سنة ومع ذلك فإنّنا كل يوم جلّ همنا في الكسب والعمل والدراسة واللباس والبيت والزوجة والأبناء ، هذه القضايا تستوعب كل تفكيرنا ، مع أنّ مدّة الحياة التي سنعيش فيها في هذه الدنيا، قد تقارب الثمانين أو المئة سنة، بينما في ذلك العالم الآخر ستكون الحياة خالدة قد تكون مليون سنة أو مليار أو تريليون سنة ، ومع ذلك قد لا نفكّر في ذلك العمر بمقدار عشر في المئة.
تأتي سورة الواقعة لتنقل الإنسان إلى التفكير في ذلك العالم الآخر و إلى المستقبل الممتد ، الذي ينتظر الإنسان فمن المناسب أن يكثر الإنسان من قراءة سورة الواقعة ، و من المناسب إذا استطاع أن يحفظها، أو أن يحفظ بعضها، ليس فقط حفظها بل تأمّل وتدبّر معانيها والتفكّر في تلك الصور التي تقدّمها عن ذلك العالم.
يقول الله تعالى عن القرآن الكريم في هذه السورة (إنه لقرآن كريم. في كتاب مكنون) أولّ ما يلفت النظر هنا أنّ الله سبحانه قد وصف القرآن الكريم بأنه كريم ، كلمة ( كريم ) في اللغة العربية لها معنى ينشق إلى شعبتين:
١/ المعنى الأول/ كرم الذات أي أن يكون الشيء ذا قيمة عالية ، أن يكون كريمًا بمعنى جامعًا للصفات المطلوبة ، و أن يكون ذا قيمة مهمة .
٢/ المعنى الثاني / يرتبط بالصفات ، أي كرم الصفات.
قد تأتي إلى حجر من الأحجار تقول له بأنّه من الأحجار الكريمة ، ماذا يعني أنّه من الأحجار الكريمة؟ أي أنّ حجمه بمقدار عقدة الأصبع لكنه يساوي ألف ريال أو ألفي ريال، وقد تشتري شاحنة وزنها أربعة أطنان فيها من الحجر العادي لكنّ ثمنه ثلاثمئة ريال ، فما لفرق بين هذين النوعين من الحجر ، إنّ الحجر الكريم كريم بذاته له قيمة في ذاته وله خاصية تجعله حجرًا كريمًا ، هذا بالنسبة إلى كرم الذات.
بينما كرم الصفات قد تقول عن إنسان بأنّه كريم ، فهو تارة كريم لكرامة في نفسه لا يجعل نفسه في ذلة ، لا يتناول الأشياء التي تهين شخصه، بل يكرم نفسه عن أن يوصلها إلى مواقع الهوان ، لا يسلم نفسه لشهوة ، ولا لطاغية يفرض عليه شيئًا ، ورد من صفات الإمام الحسن عليه السلام أنّه كريم أبي لا يشمّ رائحة الدنية والخضوع لكرامته .
وقد يكون كريمًا بمعنى السخاء والبذل واليد المفتوحة، إذن قد يكون ناظرًا إلى خاصية في ذات الشيء فتجعله صاحب قيمة عظمى، وقد تكون ناظرة إلى وجود صفات أخلاقية مثل كرامة في النفس، أو كرم في العطاء، والبذل.
(كريم ) هذه الكلمة تجمع كل هذه المعاني ، حيث أنّ الله سبحانه وتعالى استعمل هذه اللفظة لوصف القرآن الكريم، فقال: (إنّه لقرآن كريم) أي إنّ ذات هذا القرآن فيه صفة تجعله عالية القيمة، قد يكون لأجل أنّه كلام الله عز وجل ، و قد يكون لأجل أنّه يهدي للتي هي أقوم، وهذه الصفة الذاتية له تجعله صاحب قيمة عظيمة جدا.وأيضاً هو كريم بمعنى البذل والسخاء نظرًا لأنّ عطاء القرآن الكريم لمن يقرؤه لا حدود له ، حيث أنّ وجود التفاسير التي وصلت إلى سبعين من المجلدات دليل على عطاء القرآن الكريم ، حيث أنّه يفتح للمتأمل الآفاق ويفتح أمامه أبواب خزائنه، فيحصل على العلم الوفير عند تأمّله للقرآن ، هذا القرآن المعطاء السخي النافع للناس ليس لسنة دون سنة