الخطْ النّاقد للعُلماء مَاله وما عليه؟
تفريغ نصي الفاضلة ليلى أم أحمد ياسر
تصحيح الأخت الفاضلة سلمى آل حمود
"فَبَشِّرْ عِبَادِ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُوْلَئِكَ هُمْ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ"
تقدم لنا حديث في السابق عن عدد من شخصيات هذه الطائفة و الذين لعبوا أدواراً مهمةً منذ مائة وعشرين سنة أو أكثر وكانت نظرياتهم وأعمالهم من جهةً أخرى، وشخصياتهم من جهة ثالثة تشكل إضافة مهمة لأتباع أهل البيت عليهم السلام في عالمنا المعاصر، بل يمكننا القول بأن كثيراً مما هو سائدٌ من الثقافة والأعمال والمشاريع القائمة لدى أتباع المذهب في أكثر البلدان الإسلامية هي من توجهات وأفكار تلك الشخصيات في الغالب، فمنهم من أسس حركات إسلامية أو ساهم في تأسيسها، ومنهم من أبدع نظريات في الثقافة والعقائد وهي بلا ريب تتصل بالبناء الفكري لأبناء الطائفة في هذا الزمان، ومنهم من أسس مجتمعات أو تيارات في المجتمعات أو حكومات في تلك المجتمعات مما يؤثر تأثيراً مباشر على وضع الطائفة في هذا الزمان..
ربما يسأل البعض، خصوصاً مع وجود توجهٍ يُعنى في الغالب ببيان المثالب وتتبع العثرات، والتقاط الهنات والمشاكل ،يتساءل بعض المتأثرين بمثل هذا التوجه: ألم تكن بين هؤلاء العلماء وبين معاصريهم اختلافات في الرأي؟ أو خلافات في العمل؟ ألم تكن لدى هؤلاء أيضاً بعض الصفحات التي لا ينبغي أن تقال؟ لاسيما أننا نجد قسماً من المؤلفين يركضون وراء هذه المسائل ويثيرونها سواء من داخل أبناء الطائفة أو خارجها فكيف ينبغي أن نتعامل مع هذه الحالات ومع هذه الطرق ومع هذه الكتابات أحياناً ؟؟
الجواب على ذلك يبدو لنا في الآية المباركة التي قدمنا وتوجنا الحديث بها حيث يقول تعالى " الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُوْلَئِكَ هُمْ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ" لاريب أننا نعتقد بعدم وجود معصومٍ بعد محمد وآل محمد، فهناك أربعة عشر معصوماً لا يزيدون فرداً ولا ينقصون فرداً في حياة هذه الأمة الإسلامية كما نعتقد بهذا جازمين. وإذا فرضنا أن عدد المعصومين كان محصوراً، فإن معنى ذلك أن من عداهم كائناً من كان من الممكن أن يجري عليه ما يجري على سائر الناس من العجز، ومن الخطأ ، ومن الخضوع للشهوة، ومن سائر الأمور التي ما دمنا قد افترضنا عدم العصمة فيه جائزة في حقه كما هي جائزة في حق غيره، وبالتالي لا ننكر أن يكون لهذا العالم زلة في قول أو خطلة في فعل أو غير ذلك.
غاية الأمر أن الإنسان تارةً يستعذب الخطأ ويستمرئ الخطيئة، ويسير في الذنب ، وتارة أخرى يجتهد قدر ما يستطيع لكي يصيب ولكن يبقى في الأخير بشراً من سائر الناس يخضع للعواطف حيناً وللشهوات أخرى. فيُخطئ الطريقة مرة ويتعدى ثانية، فهذا واردٌ وممكن، ولهذا نحن نعتقد أن الذي يقوم على أساس تتبع الخطأ وعلى أساس النظر إلى زيدٍ أو عمرٍ من الناس في جهته السلبية ، فإن هذا منهجٌ أعورٌ وأعرج، حيث ينسى الإنسان فيه أن لهذا العالم تسعين أو خمسةٍ وتسعين بالمائة من حياته آثار هائلة النفع ، ويركز على بعض القضايا البسيطة والجزئية..
القرآن الكريم يريد أن يرتفع بمستوى الناس إلى هذه الدرجة "الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ" يستمعون الأقوال و يصغون إليه وينظرون في الشخصيات وينظرون في النظريات ويتأملون في الآراء ثم بعد ذلك لا يميزون فقط بين الخطأ والصواب وبين السيء والحسن، فهذا يفترض أن يقوم به العقلاء بغض النظر عن كونهم مؤمنين. المطلوب من الإنسان درجة أعلى وهي أن يميز بين الحسن والأحسن، بين الصواب والأصوب، بين الجيد والأجود، ويذهب لأخذ الجيد والأفضل والأصوب.