فلما سأل معاوية بن عمار الدهني الامام عن كربلاء ، تحدث الامام عن كربلاء وكان من ضمن حديثه أن الامام الحسين جمع أصحابه وقال لهم: (لا أعلم أصحابًا خيرًا من أصحابه ..... ) وهذه الكلمات نقلها فيما بعد صاحب مقاتل الطالبين والشيخ المفيد المتوفى سنة (٣١٤ه) وهو أحد عظماء علماء الطائفة الشيعية ، نقلهامن كتاب الارشاد
من هؤلاء انتقلت وانتشرت وهذه الكلمات مهمة جدًا لانها تبين منزلة هؤلاء الأصحاب . ونتعرض الى هذه المنزلة العظمى بشكلٍ إجمالي :
أنه لو أخذنا أصحاب سيدنا ونبينا محمد –كمثال- والذين اختزنت لهم صورة في الأذهان أنهم أفضل الأصحاب وعملنا مقارنة ظاهرية – لأن الباطنية لا نستطيع الاطلاع عليها – نقول : الله سبحانه وتعالى طلب من أصحاب النبي أن يصمد الواحد منهم أمام عشرة من الرجال واعتبر هذا كافيًا ، فلو زاد عددهم الى الخمسة عشر وانهزم الواحد أمامهم فلا حرج عليه ولا يعاتب ..
قال تعالى : (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ ۚ إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ ۚ وَإِن يَكُن مِّنكُم مِّائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِّنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَفْقَهُونَ) . فالمقدار واحد مقابل عشرة ، ثم بعد ذلك قال تعالى : (الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا ۚ فَإِن يَكُن مِّنكُم مِّائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ ۚ وَإِن يَكُن مِّنكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ) إذًا ، ماهي النسبة ؟ واحد الى اثنين (مئة يغلبوا مئتين) ، ولو فرضنا ثلاثمائة مقابل مائة ، لو انهزم هؤلاء لا عتاب عليهم .
ومع ذلك كانت الهزيمة في أكثر من واقعة من وقائع رسول الله واضحة وشاهرة ظاهرة في أحد والخندق في بدايتها ، والأحزاب كذلك ، وحنين لولا أن تداركهم الله عز وجل .
فلنذهب الى كربلاء لنعلم النسبة الموجودة بين أصحاب الحسين وجيش بني أمية ، المقدار المذكور الوارد في الرواية بأنه ثلاثون ألفًا ، واحدة من هذه الروايات عندما يذكر عن الامام الحسن ع (ولكن لا يوم كيومك ياأبا عبدالله حيث يزدلف إليك ثلاثون ألفًا يزعمون أنهم من أمة جدك ) وكذلك هناك رواية تذكر نفس العدد مروية عن الامام السجاد ياترى ، ثلاثون ألفًا مقابل كم ؟ ان عدد أنصار ابي عبدالله الحسين مختلف فيه ، فقيل أن عددهم ٧٢ وقيل ٨٢ وقيل ١٠٠ وقيل ١٤٥ ، لنفترض أن عددهم ١٤٥ او ١٥٠ ، كم نسبتهم الى ٣٠,٠٠٠ ؟ نسبة عالية جدًا ، ومع ذلك صمد هؤلاء وواجهوا بشجاعة وبسالة قل نظيرها .
نقول : أن أصحاب رسول الله وأصحاب أمير المؤمنين وأصحاب الامام الحجة عج عندهم احتمالان إما النصر وإما الشهادة .
قال تعالى : ( وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَن يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ)
فإذن إما الشهادة وإما الانتصار والغنائم ، ومع ذلك انهزم قسم من هؤلاء كانوا يرجو النصر بينما أنصار الامام الحسين ع لم يكن عندهم احتمال واحد بأنهم ينتصرون ، لأن الامام الحسين أخبرهم بأنهم كلهم يقتلون ، وقد كرر عليهم ذلك في مسيرتهم الى كربلاء ، لذلك من بقي مع الحسين في الوقت الأخير هم صفوة الصفوة ، حتى زُعِمَ – وإن كان ذلك لم يتحقق – أنه لما خرج الامام الحسين من مكة المكرمة تبعه (٥٠٠ شخص) .
ثم بعد ذلك جاء خبر مقتل عبدالله ابن يقطر ، ثم خبر مقتل مسلم بن عقيل فانفض هؤلاء ، وفي كل مرحلة كان يخبرهم أن القضية قضية شهادة لا أموال ولا مناصب .
إذًا هؤلاء الأصحاب والأنصار جاءوا وهم يعلمون أنهم سائرون للموت .
هذه الكلمات (لا أعلم أصحابًا خيرًا من أصحابي .. ) بينت عظمة ومنزلة هؤلاء الأصحاب والأنصار من جهة ، وبينت الحاجة الى التعرف على حياتهم من جهة أخرى ، أن لازم ذلك الاقتداء بهم ، حيث أنهم ليسو بمعصومين ، ولا يوجد حاجز بيننا وبينهم يمنع الاقتداء بهم .