لذلك من المستحسن أن نتعرض الى حياة هؤلاء العظماء ونبين جوانب العظمة والسمو في حياتهم. وسيكون محور حديثنا (أصحاب الحسين) من غير الهاشميين ومن غير الطالبيين : حول النص :
أولاً : هذا النص – (أني لا أعلم أصحابًا خيرًا من أصحابي ولا أهل بيتٍ أبرَّ ولا أوفى من أهل بيتي ) – الذي يعتمد عليه الكثيرون ، وأول من نقله هو المؤرخ الشهير لوط بن يحيى المعروف بابن مخنف الأزدي المتوفي (١٥٧هـ) ، وكان ذلك في زمان الإمام الكاظم ، وهو معروف بخبرته بالتاريخ ، ويلقب بأبي مخنف ، و (مُخْنَف) اسم فاعل يدل على انحراف في الأنف ، فيقال : فلان فيه خَنَف ، أي انفه مائل ، إما ميلان خلقي ، وإما على أثر ممارسة اجتماعية كإظهار التكبر ، كالبعض حينما يلوي أنفه للإستهزاء بالغير والتكبر عليهم ، فيلوي انفه قليلاً هذه الحركة الدالة على التكبر ، يقال لها : خَنَف انفه . وأبومخنف على نحو هذا المعنى ، وهو مُحدثٌ من المحدثين من المؤرخين الكبار ، وله كتب متعددة ، منها : وقعة الجمل ، وقعة صفين ، أخبار الخوارج وهو من كبار الرجاليين .
نقلت عنه هذه الرواية وهو لم يكن في كربلاء ، فكربلاء حدثت قبله بحوالي (١٠٠ سنة ) تقريبًا ، وهو المتوفى سنة (١٥٧ ه) وانما نقل الرواية عن أشخاص أخرين ، ومن هؤلاء الأشخاص : الضحاك ابن عبدالله المشرقي .. ونحن ذكرنا قصته سابقًا ، مختصرها : أن الإمام الحسين (ع) التقى في أثناء مسيره الى كربلاء بالضحاك المشرقي ، فعرض عليه النصرة (أي دعاه الى نصرته) ، وقبل الضحاك بنصرة الإمام ولكن بشرط ! ماهو هذا الشرط ؟! قال للامام الحسين (ع) : أقاتل معك ماوجدت مقاتلاً ، فإذا فني أنصارك فأنا في حل . والامام الحسين (ع) قبل منه ذلك .
الامام الحسين شديد التأكيد على أمر الإلتزام بالالزامات والتكاليف .. حتى قيل أن أحد أصحابه كان مديونًا ، وحضر في كربلاء لنصرة الحسين ع ، فقال له الإمام : إذهب وسدد دينك ، ثم إلحق بنا . الدين نوع من الإلتزام ، فيجب أدائه عند القدرة وعدم المماطلة .
هناك بعض الأشخاص من يقترضون منك ، وإذا جاء أوان سداد القرض ، لا تجدهم ، ذهبوا أدراج الرياح .
نعود الى الضحاك ، فالحسين عليه السلام قبل بكلام الضحاك ، وبالفعل لما حدثت كربلاء وقتل الأنصار وأهل بيت الحسين ، نجى الضحاك بنفسه وكذلك بعض الأشخاص نجوا من كربلاء . ذهب الضحاك للامام الحسين وقال له : أنا على الشرط ، فقال له الامام : لك ذلك ! ولكن كيف ستنجو ؟! فالمكان مطوقٌ بثلاثين . - مثلاً – ولا يوجد لديك فرس .. فقال الضحاك : لما عقر القوم الخيل ، أخذت فرسي وأدخلتها الى الفسطاط وجعلتها بين الخيام . هؤلاء بنو أمية كانوا يضربوا رجل الخيل حتى لا تتحرك ولا تتحول الى وسيلة ضدهم ، كما في الحروب هذه الأيام ، يدمرون الآليات والوسيلة الحربية ويقتلون صاحبها .
كذلك في ذلك الزمان لا يكتفون بقتل الشخص وإنما يحاولون أن يعقروا الخيل ، إما أن يعرقبوا الخيل في رجلها ، وإما يرمونها بالنبال في نحرها أو في أماكن أخرى بحيث لا تستطيع أن تفعل شيئًا ، وحتى لاتكون وسيلة للقتال ضدهم ، فهذا الضحاك بالفعل ركب فرسه ووكزها وانطلق في الطريق المقابل للقوم وبسرعة،ركضوا وراءه ، ولكن بعض الجماعة عرفوه وانه منهزم عن الحسين فتركوه.. الضحاك فيما بعد صار مؤرخًا لحادثة كربلاء الى ماقبل شهادةالامام الحسين ، فهو واحدٌ ممن نقلوا خطاب الامام الحسين في ليلة العاشر والتي قال فيه الحسين ولا أعلم أصحابًا خيرًا من أصحابي .... الخ . وهو الذي ينقل عنه أبو مخنف والطبري ينقل عن أبو مخنف.
والثاني : معاوية بن عمار الذهني ، وهذا من أصحاب الامام الباقر ، قال : قلت لابي جعفر الباقر: حدثني حديث كربلاء حتى كأين حضرته ونحن نعتقد أن الامام الباقر ، عنده العلم الإلهي وارث علوم آبائه الطاهرين ، وكذلك علمه بكربلاء ، وبالإضافة الى ذلك أنه كان حاضرًا في يوم كربلاء وإن كان في سن مبكر .