ثانيًا : يقولون : كيف أن الدولة الأموية تجهز (٣٠.٠٠٠) مقابل (٧٠) او (١٠٠) أو (١٥٠) ، هذا غير معقول ! فإذًا لابد أن يكون عدد أنصار الامام الحسين ع أكبر بكثير من العدد المشهور . ونجيب على هذا الاشكال بإختصار ، على مرحلتين :
المرحلة الأولى : أن هذه الحالة ليست الأولى التي نشهد فيها هذا المشهد فلو ذهبنا الى واقعة الغدير ، اقل ماقيل أن عدد الحضور فيها كان (٢٠.٠٠٠) ، وبعضهم قال (١٠٠.٠٠٠) ، ولكنهم لم يقولوا بأقل من (٢٠.٠٠٠) فنقول عشرون ألف انسان سمعوا حديث رسول الله وإلزامه الناس بولاية أمير المؤمنين ، وطلب منهم أن يبايعوا الامام ، هؤلاء العشرون الف لم يمضي الا فترة قصيرة من وقعة الغدير (١٨ ذو الحجة) الى وفاة رسول الله (٢٨ صفر) ، بعدها قامت الخلافة المعهودة . ياترى كم واحد من هؤلاء اعترضوا على هذا الامر ؟
فمثلاً : لما قام الخليفة الأول هل اعترضوا وقالوا : بايعنا عليا ؟ التاريخ تحدث أن الذين اعترضوا على الخليفة الأول عندما قام للخطبة ، كان عددهم (١٢) شخصًا ، معروفة أسمائهم واحدا واحدا .
كم نسبة (١٢) الى (٢٠.٠٠٠) ؟ (٢.٠٠٠-١) ؟ (١.٨٠٠-١) ؟ اذًا عندنا حالة مثل هذا النوع وقعة الغدير ، كما في عدد أنصار الامام الحسين ع ، فهي ليست قضية منفردة ليس لها نظير ، فنظيرها في واقعة الغدير ، مع وجود الفارق ، أن أنصار الحسين ذاهبون للموت والقتل ، وفي وقعة الغدير مجرد اعتراض ، ومع ذلك لم يعترض الا (١٢ شخصًا) .
نترك هذه العترة التاريخية وتذهب الى مابعد ذلك ، لا شك ولا ريب أن الامام الصادق عليه السلام كان محبوبًا من كل أبناء الامة ، حتى من غير شيعته ، وقسم من أئمة المذاهب كانوا من تلامذته .
هذه الامة ، حينما اغتال المنصور العباسي الامام الصادق عليه السلام كم واحد منها خرج منددًا – بهذا الفعل – بعد شهادة الامام الصادق ؟ كم واحد منها اعترض على ذلك ؟! ولا واحد منهم !هذه الأمة ، هي نفسها تلك الأمة التي شهدت الغدير ، مثل قضية الامام الرضا وقضية بقية الائمة – وماسبق إجابة نقضية -
أما الإجابة الحلية ، والحل يكون بالتفريق بين التعاطف القلبي والموقف العملي ، فالناس في الموقف القلبي بعشرات الآلاف بل مئات الآلاف ، ولكن عندما يتطلب الامر موقفًا عمليًا تختلف الأمور .
الامام علي عليه السلام استنشد الناس وهو في الرحبة ، وكان حاكمًا في تلك الفترة – أي أنه لاخوف – وقال : من منكم سمع بحديث الغدير ؟ فليقم ؟ فما شهد منهم إلا أفراد قلائل .
إذًا هناك فرق بين أن أحب الامام علي وأحب الامام الحسين أو أحب فلان وبين أن اتخذ موقفًا عمليًا ، فتختلف المواقف ويتفاوت قسم من الاصحاب لشدة حبهم للحسين نصحوه أن ارجع . هذا موقف قلبي ، وليس موقفًا عمليًا . ولذلك قال الامام الحسين عليه السلام عن أصحابه : (لا أعلم أصحابًا خيرًا من اصحابي .. ) ، فأصحاب الامام الحسين نمط نادر وجواهر استثنائية بما اتخذوه من موقف عملي اتجاه الامام الحسين وثورته ، فالعبرة فيمن يثبت ، فأصحاب الامام كان عددهم كبير في البداية مع اختلاف الرواية في عددهم ، ولكن من ثبت قليل .
وكذلك لو نظرنا الى قضية مسلم بن عقيل ، نطبق عليها نفس الكلام السابق ، فما دامت القضية بيعة واحتمال ووظيفة وعطاء أما اذا انقلب الامر والي شرس ومواجهة وجيش بني أمية سيصل الى الكوفة فهم ليسوا معه .
فإذًا ، في مجال النقض ، نحن شهدنا حالات متعددة في تاريخ المسلمين تشبه ماحدث في كربلاء ، أما في مجال الحال فهو بالتفريق بين مايحبه الانسان قلبًا ويتعاطف معه نفسيًا ، وبين مايقوم به عمليًا .
جاء بعض الأشخاص الى الامام علي عليه السلام بعد وفاة رسول الله ، وقالوا له : لماذا لا تنهض وتطالب بحقك ؟ فقال لهم : (وافونا عند أشجار الزيت محلقين ) . وأشجار الزيت هذه خارج المدينة . فما أتى منهم إلا ثلاثة أو أربعة أشخاص .