العقلاء الذين حولك، إخوانك، أصدقائك، يرون مناسبته للزواج. لكنه، لا، هو مستبد بهذا الرأي. وحسب تعبيره: هو قال كلمته، وكلمته لا تتثنى. يرى من العين أن ينصح ويوجه، وتتم مرادته ومراجعته لكي يتراجع عن هذا الأمر. فلانة ابنته، لا تتزوج. لماذا لا تتزوج ابنتك؟ لأن هذه الأسرة فيها كذا، وذاك الشاب فيه كذا، ولأن هذا الموضوع كذا، وأنا هذا رأيي. فيصل الأمر في بعض الحالات إلى حالات من العضل، أي منع البنت من زواجها بكفء؛ مما يسبب أحيانا إمكانية سلب الولاية من الوالد على ابنته في قضية الزواج. فلماذا يصبح الإنسان هكذا! طبعا هذا يحدث حتى من الابن. فالابن قد يكون أيضا مستبدا، لكن مستبد على من هم دونه. فلماذا يصبح الإنسان هكذا! حتى يحتمي.
واحد من الأمور: أن الإنسان لا يعرف رسم العبودية لله عز وجل. فقسم من الناس يصلي، ولكن لا يرى نفسه عبدا. يصوم، لكن حقيقة العبودية ليست موجودة في داخل نفسه. حقيقة العبودية ماذا؟ هي التي نقرؤها في الدعاء: "أَمْسَيْتُ وَأَصْبَحْتُ لَكَ عَبْدًا ذَاخِرًا لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا وَلَا مَوْتًا وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُورَا". أي: أنا نفسي لا أقدر أن أدبر أمر نفسي، فلا أستطيع أن أنفعها، أو أدفع الضر والشرر عنها، وهذا لا ينسجم مع أن الإنسان يقول: لا، هذا رأيي، وأنا هكذا.
وهنا، ليس فقط أنا إلى نفسي، عندي موقف ورأي، بل حتى الآخرين أتحكم فيهم. فالدين ماذا يقول؟ يقول: أنت عبد، أنت لا شيء بينك وبين الله، لا شيء. أنت عبد كنت يوما نطفة مذرة، وستغدو فيما بعد جيفة قذرة، وما بينهما: أنت لا شيء مقابل ربك. فماذا يعني أن تقول: هذا أنا، ورأيي لا يتثنى، وموقفي هذا هو. حتى لو حطمت به مستقبل أناس، وأفسدت به علاقات، وأحدثت مشاكل؛ لأن هذا هو رأيك.
ثم تقول هذا الكلام من جهة، وتتحكم في مصير وحياة غيرك، ثم تأتي تقرأ هذا الدعاء من جهة أخرى: "أَمْسَيْتُ وَأَصْبَحْتُ لَكَ عَبْدًا ذَاخِرًا لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا"، فأين الانسجام بينهما؟! فهذا معناه: أن الإنسان أحيانا يقرأ الدعاء ولا يلتفت إلى معناه، ولا يجسده في واقع. وإذا أنت هكذا، فانظر أنت كم بالنسبة إلى الله؟ لا شيء، عبد. فمادام هكذا، فأول شيء رسم العبودية ما هو؟ عندما يقال لك: نريد فلان شيء، لا تقل: نعم أو لا. ولا تقل: رأيي، وكيفي، ومزاجي. بل قل: الله ماذا يأمر في هذه الجهة؟ هل يقبل الله أن أفعل هكذا؟ أنا عبد لله، أفعله. الله لا يقبل أن أفعل هذا الأمر؟ وأنا عبد لله، فأنا أيضا لا أقبل؛ لأن الله لا يرضى بهذا الأمر.
فواحد من الأمور: أن رسم العبودية عند الإنسان المستبد، غير واضح. ولذلك إذا استمر فيه، شيئا فشيئا، يصل إلى أقصاه، فيقول: (أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى). ففرعون ما قفز قفزا، فرعون في البداية كان يتحكم في داخل أسرته، ثم خارجها، ثم في المجتمع. والناس يطاوعونه، فأغري بذلك، حتى وصل إلى ادعاء الربوبية.
أمر آخر: توهم أن المشاورة ضعف، يجعل الإنسان مستبدا. جرب نفسك إذا عرضت عليك قضية تميل إلى أن تستشير غيرك، أو لا. انظر هل ترى: أن الأحسن هو أن لا يعلم بها أحد، وأنت تقرر. ثم لماذا لا تجعل أحدا يعلم بها؟ لما لا تستشير أخاك الأكبر؟ لما لا تستشير أهل الرأي والحكمة؟ لما لا تعرضها على أهل النصيحة؟ فقسم من الناس – وهم كثيرون – يقولون: لأني لو أنا قلت لهم هكذا، سيعلمون عني، أني غير قادر على حل هذه المشكلة، ولا أتخذ موقفا فيها، إذن أنا ضعيف. لا. المشاورة قوة.