فللأسف الشديد، في ثقافتنا الشعبية، في أمثالنا، في حتى تربيتنا للأولاد، نحن نربي الإنسان المستبد. على سبيل المثال: إذا أردنا أن نمدح أحدا، نقول عنه: هذا كلمته لا تسقط على الأرض، وكلامه لا يتثنى. فنأتي به في ماذا، في موقف المدح، وأنه شخصية قوية، عظيمة، كبيرة، وإنسان حازم، لا يقول كلمة ثم يغيرها. وهذه تربية الاستبداد.
لما ابني يسمعني أتكلم عن شخص، بإعجاب وبتقدير على أن كلمته لا تتثنى، ولا تسقط على الأرض، وعلى أنه حازم، فإذا اتخذ شيئا لا يغيره أبدا. فأنا بكذا أقول لابني: أنت أيضا يا أيها الابن، إذا أردت أن تصبح محل تقدير، فلا بد أن تصبح مستبدا.
ماذا يعني أن الإنسان لا يغير كلامه، رب العالمين هو! متى كان هذا الإنسان، مهما أوتي من العلم، يعلم كل جوانب القضايا، "علمت شيئا وغابت عنك أشياء". ترى جانبا من الجوانب، فتتخذ قرارا على ضوءه، ثم يأتون آخرون ينبهونك إلى جهات أخرى في الموضوع. فكن شجاعا، رجلا، وقل: نعم، أنا كنت مشتبها، وقد كان هذا الشيء، بناء على ما توفر لي من المعلومات إلى أمس، هو الرأي. الآن آخرون جاؤوا وأتوني بمعلومات جديدة، آراء جديدة، شاورت آخرين. وقالوا لي: أن هذا العمل عمل غير حسن، له نتائج غير سليمة.
فإذا أصبح الإنسان هكذا، كان محل تقدير. لذلك حتى بعض الأشياء التي نحن نعتقد خلافها، مثلا: نعتقد أن نبينا المصطفى محمد (ص) هو أكمل الخلق عقلا وأصوبهم رأيا، بغض النظر عن جهة: هل هو مسدد إلهيا في كل أمر أم لا.
فهناك أمران: نفسه كشخص، فالنبي (ص) كان أكمل الناس عقلا؛ ولذلك يقر له بهذا المعنى حتى مخالفوه. فكفار قريش الذيم لم يؤمنوا بنبوته، ولا بتسديده الإلهي، يعتقدون فيه: أنه أكمل الناس رأيا وعقلا. أضف إلى ذلك: نحن نعتقد أن رسول الله (ص) كان مسددا في خطواته من قبل الله عز وجل، فهذا جانب ديني.
مع هاتين الجهتين: الكمال الذاتي، والتسديد الإلهي، مع ذلك رسول الله (ص) يأتي ويشاور أصحابه، فيما هو أعلم به منهم: (وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ). مع أننا نعتقد أنه أكمل منهم، وأفضل، وأعرف بالمصالح منهم، لكنه حتى يعلِّم هذه الفئة من المسلمين، ومن يأتي بعدهم، أنه: إذا كان النبي (ص)، وهو في هذه المرتبة، يقوم بهذا العمل، فمن دونه يكون أولى بها، وهكذا الحال مع المعصومين (ع).
حديث جميل ينقله الإمام الرضا (ع)، عن والده الإمام الكاظم سلام الله عليه، أحد الرواة يقول: كنا مع أبي الحسن الرضا، أي: الإمام الرضا، فجرى ذكر أبي الحسن موسى – أي: موسى الكاظم – فالإمام الرضا (ع)، ابنه أشار إلى جهة، وقال: "كَانَ أَكْمَلَ النَّاسِ عَقْلًا، وَرُبَّمَا شَاوَرَ الأَسْوَدَ مِنْ سُودَانِهِ". أي: مع أن الإمام الكاظم (ع) كان أكمل الناس عقلا، مع ذلك كان يرى أحدا من عبيده، من مماليكه، الذين عادة ينظر إليهم الناس نظرة دونية، ويشاورهم.
أنت مثلا، هل في يوم من الأيام، فكرت، أو خطر في بالك، أن تأتي لعاملك الذي يشتغل عندك، فتقول له: عندي مشروع استثمار في فلان شي، ماذا رأيك؟ أصلا لا يخطر ببالك مثل هذا، وهو عامل عندك. فكيف إذا كان عبدا مملوكا، مرتبته الاجتماعية عند الناس أدنى. مع ذلك الإمام الكاظم الذي هو أكمل الناس عقلا، كان يشاور الأسود من سودانه، يعني: العبد من عبيده.
أن يشاور الإنسان، هذا هو المفخرة، لا أن يستبد. نحن نلاحظ للأسف الشديد، في مجتمعنا، لا تزال حالات الاستبداد موجودة. الأب يستبد بأبنائه، الزوج يستبد بزوجته، الكبير يستبد بالصغير. الأب - ومن السهل جدا، وكم من المشاكل حصلت - يؤخر زواج الابن أو البنت من غير مبرر. تسأله: لماذا هذا؟ يقول: هذا أنا، هذا رأيي. مع أن الابن مثلا مقتدر ماديا، مؤهل للزواج، أخلاقه حسنة، لكن أباه يقول لك: أنا رأيي هكذا.