هؤلاء القتلة من قبل من ؟ من قبل أبناء عمومتهم العباسيين.
غير هذا من الأمور الاستفزاز بالقتل في ليلة واحدة كما ينقلها الطبري في كتابه تاريخ الرسل والملوك ومن الكتب التاريخية المعتمدة يقول عن حميد بن قحطبه وهي مشهورة الرواية في ليلة واحدة قتل ستين علوياً وألقى بجثثهم في البئر، لماذا؟! وماذا عملوا؟!
حكمة الإمام الكاظم عليه السلام في التعامل استفزازات الخلفاء العباسيين:
المنصور العباسي لما حضره الموت وهو قد هلك في الطريق إلى مكة قبل أن يخرج من بغداد استدعى ريطه زوجة المهدي ابنه، والمهدي هذا ولي عهده كان خارج بغداد فأراد أن يوصي توصية إلى زوجة ابنه فجاء بها إلى مكان مثل المخزن وفتحه أمامها فكان الرائحة جداً مزعجة حيث يوجد فيها توابيت ورؤوس شباب وشيبة وأطفال وكل منهم موضوع عليه رقعة هذا فلان بن فلان.
والتاريخ لا يذكر كم عدد هؤلاء بل يذكر أنه هناك رؤوس كثيرة للهاشميين، فقال لها: إذا أنا ذهبت ولم أعد من طريقي، أول ما يصبح المهدي خليفة أحضريه إلى هنا وقولي له: بهذا يستقيم لك الامر.
في مثل هذه الظروف والذي بلغ الاستفزاز أقصى حدوده فعندما يسمع الامام الكاظم عليه السلام من يشتم جدته الزهراء عليها السلام وعندما يسمع من يهجو بني هاشم وبالذات أمير المؤمنين عليه السلام وعندما يرى أحفاد امير المؤمنين وهم بنو عمومته قتلى واسرى وسجناء وهي كلها تخلف في داخله أذى كثيراً، فماذا يصنع؟ هل ينهض ويتحرك ويواجه هؤلاء؟ هنا يأتي قضية كظم الغيظ من قبل الامام عليه السلام.
إذا كان الإنسان في حالة مطاردة وفي حالة سجن وحالة تصعيد ومشاكل متى يتيسر له أن يربي عدد كبير من العلماء؟ متى يتيسر له ان يحمي شيعته من المواجهات؟ كما ذكرنا أحيانا أنت تشاهد أو تسمع أن أحداً من القادة يقول كلام معيناً يستفز به طرف آخر، فتكون الضحية أتباعه وجماعته مسلم مع مسلم أو جماعة مع جماعة، فهنا يأتي دور قضية كظم الغيظ من قبل الامام عليه السلام، فهو الذي حافظ على هذا الكيان الشيعي ومع كل ما حدث لم ينزلق الإمام عليه السلام إلى مواجهة ساخنة لم يكن يريدها كما حدث مع غيره مثل الحسين بن علي شهيد فخ وبعض أبناء الامام الكاظم عليه السلام لم يتحملوا تلك الأوضاع فثاروا ونهضوا ضد السلطة وأنتهى بهم الأمر إلى أن قتلوا وقُتل جماعتهم، لكن الإمام الكاظم عليه السلام وهو يرعى الحالة الإسلامية الهامة لم يُرِد أن ينزلق إلى هذا الأمر، فاستطاع الإمام عليه السلام خلال خمسة وثلاثين سنة مع أنه سجن عدة مرات في زمان المهدي وإن كانت فترة قصيرة وسجن في زمان هارون عدة مرات ثم تهديد الامام بالقتل في زمان الهادي لأن هذا موسى الهادي كان شرساً وباطشاً، فلما ثار الحسين بن علي شهيد فخ وقتله قال: نحن قتلنا هذا لكن رأس بني هاشم وهو الأساس لم نفعل له شيء للتخلص منه -وهو يعني الإمام موسى بن جعفر -فلا بد من قتله
فكان هناك بعض الفقهاء مثل أبو يوسف القاضي قال: هذا الرجل ليس في وارد القيام ولا المواجهة ولا الحركة العسكرية وإنما هو مشغول بنشر العلم عن أبائه وأقسم له بالأيمان المغلظة أن موسى بن جعفر ليس هذا هو منهجه.
فالإمام عليه السلام استطاع خلال هذه المدة أن يقود ساحة شيعة أهل البيت بحيث لم يتأثروا بما كان يفعله أولئك الخلفاء الأربعة الشرسون، واستطاع أن يكظم غيظه وأتبعه في ذلك شيعته حيث ساروا على نفس المنهج ونفس السياسة، فتحمل الإمام عليه السلام بنفسه الآلام وتحمل بنفسه السجن والأذى من أجل أن يصون كيان شيعته وأتباعه فصلوات الله على موسى بن جعفر أبي الحسن الكاظم للغيظ صلوات الله وسلامه عليه.