فإذا أقام الإنسان نفسه مقام الكاذبين، يرفضه الله سبحانه وتعالى. أنا آتي مثلا وأقول: أنا عبد الله، أنا المؤمن، أن الكذا. ثم أين مظاهر عبوديتي، أين مظاهر إيماني، أين مظاهر إخلاصي. أكذب. لذلك يستحب للإنسان أن يقلل من ادعاءاته، فلا يقول: أنا العبد، المؤمن، المخلص، التائب، الكذا، الكذا؛ لأنه قد يكون في هذا المقام، مقام الكاذبين.
"أَوْ لَعَلَّكَ رَأَيْتَنِي غَيْرَ شَاكِرٍ لِنَعْمَائِكَ فَحَرَمْتَنِي، أَوْ لَعَلَّكَ فَقَدْتَنِي مِنْ مَجَالِسِ العُلَمَاءِ فَخَذَلْتَنِي"، والمصداق الأكبر للعلماء هم: أئمة الهدى (ع). فإذا فُقِد الإنسان من مصاحبة الأئمة، من مجالستهم، فحتى لو أوتي علما عظيما، يكون مخذولا؛ لأن هذا العلم ما لم يخرج من محمد وآل محمد (ص)، لن يكون هاديا تمام الهداية إلى الجنة. فهم المصادق الأعظم له، ثم المصداق الآخر: العلماء.
والعلماء ليسوا مثلي وأمثالي، وكل من وضع على رأسه عمة، لا. وإنما من يقول عنهم الحديث: "مَنْ يُذَكّركُم اللهَ رُؤْيَتُهُ". فبمجرد أن تراهم تتذكر الله سبحانه وتعالى. وهذا من أين لنا أن نحصل عليه؟! وأين نلقاه؟! "مَنْ يُذَكّركُم اللهَ رُؤْيَتُهُ وَيَزِيدُ فِي عِلْمِكُم مَنْطِقُهُ". لا أن يأتي ويعلمني أن أسب فلانا، وألعن فلانا، وأتكلم على فلان، وأصيغ ضد فلان. بل من يزيد منطقه في علمي، "وَيُرَغِّبُكُم فِي الآخِرَةِ عَمَلُهُ". أي من يوجهك إلى الآخرة، ويذهب بك من هذه الدنيا إلى تلك الأخرى. فنسأل الله أن يعيننا حتى نحصل على هؤلاء العلماء فنجلس معهم. وإلا إذا لم يلطف بنا الله سبحانه وتعالى، نكون مخذولين. فنحن نحتاج – وأتكلم عن نفسي لا عنكم - إلى أن نجلس مع هؤلاء العلماء الذين إذا لم نجالسهم ننخذل في حياتنا الإيمانية.
"أَوْ لَعَلَّكَ رَأَيْتَنِي فِي الْغَافِلِينَ فَمِنْ رَحْمَتِكَ آيَسْتَنِي، أَوْ لَعَلَّكَ رَأَيْتَنِي آلَفُ مَجَالِسَ البَطَّالِينَ، فَبَيْنِي وَبَيْنَهُم خَلَّيْتَنِي"، أي: مجالس أحاديث الغيبة، والنميمة، والمزح غير المفيد، والكلام غير النافع، وتضييع العمر في قيل وقال. هذه هي مجالس البطالين، نسأل الله أن يباعدنا عنها.
وأنت تلاحظ هنا - وأنهي به الحديث - أن الإمام (ع) يحمل الإنسان نفسه كل هذه المسؤولية. فلا يقول: أنت يا ربي صنعتني هكذا، وإنما أنا في مجالس البطالين، فأنت أيضا تركتني معهم، أنا يا رب كنت غير مستأهل للرحمة، فأنت أيضا حجبت رحمتك عني، وليس أن هناك أمرا جبريا علي. فأنا من قمت بالمقدمة، فترتبت عليها النتيجة. "رَأَيْتَنِي غَيْرَ شَاكِرٍ لِنُعْمَائِكَ"، فهذا ينتج نتيجة. "رَأَيْتَنِي آلَفُ مَجَالِسَ البَطَّالِينَ"، ينتج نتيجة. "رأيتني غير شاكر لنعمائك"، ينتج نتيجة. فالمسؤول الأول عن هذه النتائج، هو أنا الداعي، وهذا من أساليب التربية في الدعاء.
نسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا من العاملين لرضوانه وجنانه، وأن يجنبنا مسالك البطالين الكسالى، إنه على كل شيء قدير. وصلى الله على سيدنا محمد وآله الطاهرين.