أحد الأمرين. حكمة الاستخارة - فيما نفهم - بشتى أشكالها وصنوفها هي: أن لا يبقى الإنسان على حالة من التردد والشك وإنما يسعى للإقدام على أحد الجوانب. هذا بالنسبة إلى الحياة العامة. بالنسبة إلى الحياة العبادية، أيضا تعرض فيها صفة الشك، باعتبار عمل من الأعمال: الوضوء عمل من الأعمال، الصلاة عمل من الأعمال، سائر العبادات هي هكذا. فمن الممكن أن يطرأ على الإنسان العامل فيها شك أو ترديد. وهذا يمكن تقسيمه إلى ثلاثة أقسام. هذا النوع من الناس الذين يطرأ عليهم الشك والترديد، يمكن تقسيمهم إلى ثلاثة أقسام، فيما يهم حديثنا الآن. وإلا من الممكن باعتبارات أخرى، أن يقسموا إلى أقسام أكثر أو أقل أو مختلفة، لكن فيما نحن فيه من الحديث، نقسمهم إلى ثلاثة أقسام.القسم الأول: حين يعرض على
الإنسان شك متعارف اعتيادي. القسم الثاني: حين يبتلى الإنسان بكثرة الشك. القسم الثالث: عندما يبتلى الإنسان بالوسواس. هذه ثلاثة أقسام يمكن أن تكون هي الغالب في المجال الاجتماعي. بالنسبة إلى القسم الأول: من يبتلى بالشك المتعارف، فهذا يحصل مني ومنك وممن يستمع. وذلك على أثر، غالبا، أن ذهن الإنسان لا يستطيع أن يفكر في أمور متعددة في وقت واحد. انظروا إلى عظمة الله عز وجل وجليل قدرته، يدبر تريليونات الأشياء في وقت واحد، ولا يشغله شأن عن شأن. حقيقة، هذه من الأمور التي لو تأمل فيها الإنسان، لاستدل بها على عظيم قدرة الله، وعلى إحاطة أمر الله عز وجل. فأنا وأنت أحيانا إذا فكرنا بثلاثة أشياء في وقت واحد، نضيع اثنين منها ويبقى واحد في الذهن. في الصلاة – مثلا
- بمجرد أن نركز على فلان موضوع: اليوم مثلا حدث موقف في البيت، مع الزوجة، مع الأولاد. أحدهم اتصل اتصالا غير مناسب. وأنت في الصلاة سيطر عليك ذلك. في تلك اللحظة تكون أنت قد ضيعت في أي ركعة أنت؟! بمجرد أن سيطر عليك ذاك الاهتمام، فراح من ذهنك الحساب، أنه: أنت في أي ركعة؟! سجدت أم لم تسجد؟! قلت هذا الذكر أو لم تقله؟! وهذا أحد معاني: (مَّا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ). فلا يستطيع هذا الإنسان استيعاب هذا المقدار. نعم بعض الأشياء - افترض - وهو يفكر، يسبِّح، هذا يحدث. ولكن من ميزات هذا الإنسان، ومن عجزه، يعني: من ميزاته في العجز، وأنه ناقص عاجز غير قادر، أنه لا يستطيع أن يجمع الأشياء كلها. هو الآن في
هذا المسجد، يفكر في أوضاع المسجد، وفي نفس اللحظة يفكر فيما يجري في البيت، وفي نفس اللحظة يفكر في أمر شركته، فتختل كل هذه الأمور. لكن ربنا سبحانه وتعالى: (مَا مِن دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ). في هذه اللحظة، الله محيط بكل ما خلق ومن خلق. أما أنا وأنت فلا نستطيع أن نعدد أسماءها العامة، لكن الله سبحانه وتعالى يحيط بتفاصيل تفاصيلها الدقيقة ولا يشغله شيء عن شيء. فيعطي ذاك المريض الشفاء في محله، في أقصى بلاد الغرب. وهذا المعوق الذي في أقصى بلاد الشرق، وذاك المكان الذي في شمال الكون، والذي في شرق الكون، وهذا الذي في البحار، وذاك الذي في المحيطات، والذي في الأفلاك، وهذا وهذا. وكلها تحت السيطرة
في لحظة واحدة. أما أنا وأنت فلا نقدر على هذا الشيء. ومن هنا يتطرق إلى الإنسان الشك، ليس فقط هذا. فكثيرون الآن يتحدثون عن أن نسبة لا تقل عن ٤٠% من حوادث السيارات هي على أثر الانشغال بالجوال. الجوال معناه ماذا؟ معناه: أن ذهنك مشغول عبره بمكان ما. لذلك في نفس الوقت لا يمكنك أن تلاحظ ما حولك، فتقع الحادثة. هذا أوضح شيء وأقرب شيء بالنسبة إلى الإنسان. فمن مناشئ الابتلاء بالشك: أن فكر الإنسان لا يملك القدرة على الإحاطة بكل الأشياء في وقت واحد. ولا يمكنه أن يُقفل عليها. بمعنى أنه: مذ تبدأ الصلاة، يُقفل دماغه فيقول له: لا تفكر في غير الصلاة. لا يملك هذا الشيء، بل كل الأشياء تظل تسري وتجري.نعم، هو يقدر أن يقيد يده، فلا