٢/ قضية التقية : التقية من الأمور التي في أصلها مسألة فقهية عادية وليست من المسائل العقائدية ، ولكن لشدة الاهتمام بها من جهة أهل البيت وأتباعهم من جهة ، ولشدة التهميش بها من قبل مخالفيهم أدرجت في باب العقائد ،والتقية هي الموقف العقلائي الذي يقفهه كل عاقل ثم كل مؤمن ، ففي قضية عمار بن ياسر مع رسول الله "صلى الله عليه وآله" نزلت الآية (إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان )١٦ " وكذلك إمضاء النبي لذلك وقوله له إن عادوا لك فعد عليهم ولا تدير بالا .
ولقد أحسن صنعًا أحد الباحثين واسمه ثامر العميدي لديه كتاب باسم التقية في المذاهب الاسلامية غير الإمامية ، يقول فيه أنّ الإمامية موقفهم واضح من التقية ، أما بقية المذاهب في فتاواهم يفتون بالتقية ، إذ أنهم يمارسون التقية إذا تعرّضوا للضغط ، حيث نرى إمام المذهب الحنبلي لمّا تعرّض للضغط في أيام المعتصم ، أغلق بيته في أيام الواثق و لم يقبل أن يستقبل الناس حيث تعرّض للجلد بالسياط ، وكذلك تعرّض للسجن ، بينما نجد أنّ شيعة أهل البيت صبّ العذاب عليهم صبًا من أول أمرهم ، وفي حديث عن الإمام الباقر عليه السلام يقول ( وطُرد شيعتنا تحت كل حجر ومدر )١٧ ، فكان القانون الرسمي حينئذٍ من اتهمتموه بموالاة هؤلاء القوم ، وليس من تأكّد لكم مجرد تهمة باتباعه لهؤلاء فاقطعوا عطاءه و رزقه وامحوا اسمه من الديوان أي أنه غير مواطن ، حسب التعبير الراهن ، نجد الآن عندما تعيش في أي بلد لابدّ أن يعترف لك بالمواطنة حتى تتمتّع بكل عوائدها من : المنح ، العطايا ، الضمان ، الأرزاق والرواتب وغير ذلك ، فإذا أسقطت عنك هذه انتهيت من الناحية المادية و لم يصبح لك غطاء يغطيك ، وهذا معنى " أسقطوا عطائه ورزقه وامحو اسمه من الديوان "
لا سيما في ذلك الحين أن ّجزءًا كبيرًا من أرزاق الناس تعتمد على عطايا الدولة من خراج وغنائم وغير ذلك ، فإذا أسقط أحدهم بمجرد التهمة أي يتهم بموالاة علي وآل بيته ، فهنا التقية تكون من أوجب الواجبات على هذا الانسان ، وقد ذكر هذا الباحث كيف أنّ أئمة المذاهب الاخرى كانوا يمارسون التقية .
٣/ موقفهم اتجاه اصحاب النبي "ص" وهم يقولون في هذا أنّ أصحاب النبي قوم كان لهم شرف النصرة والصحبة والإعانة على تأسيس الإسلام ، وقد ورد في أدعية الصحيفة السجادية الترضي عليهم والترحم عليهم لكنهم ليسوا سواء ، فهناك منهم من كان في أعلى الدرجات يستسقى به الغمام وهناك من ليس كذلك ، هناك من أذنب ، ومن عصى ، ومن خالف و تآمر ، إذن هم ليسوا على درجة واحدة فليس من العدل ومن العقل أن نجمعهم في سلة واحدة، وأن نقول كلهم متساوون وكلهم عدول.
يقول الأشاعرة : كل أصحاب النبي عدول ولا يجوز انتقادهم ولا الحديث عنهم ، كما قال أبو زرعة " إذا رأيت الرجل يتنقص أحدًا من أصحاب النبي فاعلم أنّه زنديق "
ولكن ما قولك في معاوية بن أبي سفيان الذي انتقص من علي بن أبي طالب هل هو زنديق أم لا ؟؟ وأنت ترى المعركة والصراع الذي حدث وكان واضحًا ؟ هل تقول فيه زنديق ؟؟ أم فيما بعدهم؟؟
نحن لا نقول بما يردّده البعض عن الشيعة من أنّ كل الصحابة مرتدين إلا ثلاثة أو خمسة أشخاص فهذا ضمن التهويش وضمن الدعايات السوداء ، لأنّ روايات الارتداد التي يتمسكون بها لا تسلم منها رواية ، وعلى فرض أنّ هناك فيها ما يُروى وله صحة ، ليس المقصود هو الارتداد الديني والعقدي وإنما هو حالة من التراجع النفسي على أثر الاندهاش الذي حصل ممّا وقع بعد وفاة رسول الله "صلى الله عليه وآله" وهذا بحث يطول أمره.
لكن الموقف اتجاه الصحابة هو الموقف العاقل الذي وقفه علماء أهل البيت عليهم السلام حيث قالوا نحن نعطي كلّ ذي حقٍ حقه ، ننظر إلى سيرة كل واحدٍ من الصحابة إذا كانت أعماله مطابقة للموازين الشرعية نحترمه ونقدره ونقسم على الله بحقه ، وإذا لم يكن كذلك نوفّيه حقه فمرتبته هكذا ، وإذا كان من المنافقين كما أخبر القرآن الكريم فلا نوجّه إليه نفس الدرجة من الاحترام التي توجّه إلى غيره .
موقف المعتزلة:
تورّط المعتزلة هنا لأنهم من جهة يعتمدون على العقل ، فالعقل لا يقبل بأن يكون الرجل صحابيًا بمجرد مروره على المدينة وصلاته مع رسول الله صلاة واحدة ، بينما عند المعتزلة يعتبر صحابيًا مقدّسًا لا يمس ولا ينتقد ولا يقال عنه غير عادل ، فأيّ عقلٍ يقبل مثل هذا الكلام ، والبعض من المعتزلة لا يقبل هذا الكلام ، فتورّط المعتزلة في موقفهم فمن جهة عقلهم ترى أنّه يهديهم الى غير هذه الفكرة ، ومن جهة ترى ضغط المحيط إلى هذا المقدار ، فقالوا: نعم كل الصحابة عدول إلا من حارب عليًا عليه السلام ، لذلك بعضهم تورّط ، فالبعض من الصحابة شارك في صفين ضد أمير المؤمنين ، وكذلك البعض في الجمل وفي النهروان ، فماذا نعمل مع هؤلاء؟؟
لذلك نرى موقف البعض منهم مختلف إذ يقول إنّ من شارك في صفين فأمره معروف من خلال كلام رسول الله إذ قال ( تلك الفئة الباغية ) ، وكذلك بالنسبة للخوارج الذي قيل عنهم ( يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية )، أما بالنسبة لأهل الجمل فلا ندري هناك طائفتين من المؤمنين منهما لا ندري أيهما الباغية ، وهكذا نرى تورّط المعتزلة في هذا الأمر .