المقدار من التطرف الذي يعتبره الإمامية عند المعتزلة في تحكيم العقل لا يقبلونه ولكن أصل تحكيم العقل وارد في العقائد بل في الفقه ، بل في غير ذلك من الأمور ، هذه نقطة اتفاق في أصلها .وكذلك فيما يرتبط بقضية الجبر والاختيار ، فالأشاعرة لديهم فكرة أنّ الإنسان عندما يقوم بعملٍ فإن الله قد خلقه وخلق عمله ، وهنا إشكال فيما يرتبط بالذنوب لو أنّ انسانًا فعل الزنا والعياذ بالله فالأشاعرة يقولون بأنّ الله خلق هذا الإنسان وخلق معه الزنا ، فإذا كان كذلك فكيف يحاسب هذا الزاني على شيء خلقه الله له ؟؟ وقاموا بتقديم عدة محاولات للإجابة على هذا التساؤل لكنها لم تنتهِ إلى نتيجة مقنعة .أما المعتزلة قالوا : لا يوجد فعل ذلك الذنب إلا العبد نفسه
والله سبحانه منزّه عنه ، فالعبد هو المسؤول عن الذنوب والله سبحانه في معزل بشكل كامل ، لذلك يسمّون بالقدرية من باب أنّهم يثبتون قدرة الإنسان المطلقة على الأفعال ومسؤولية الإنسان التامة في كل شيء ، وأنّ الله منحاز عن هذا الموضوع و ليس له ربط ، وهذا فيه إشكال مع جملة كبيرة من الآيات مثل قوله تعالى ( وما تشاؤون إلا أن يشاء الله )٧ فلا يحدث شيء بالكون إلا بإذن الله وبأمر الله وتحت علم الله فكيف تأتي وتعزل الله نهائيا ؟؟الإمامية يختلفون مع الأشاعرة تماماً ويختلفون مع المعتزلة في أنّهم عزلوا الله عن هذا الفعل ، ويتفقون معهم في مسؤولية العبد ، فيقولون إنّ هذا الكون كله تحت علم وإحاطة الله عز وجل ، فلا يكون من
حركة ولا يسكن فيه من ساكن إلا بإذن الله.فالله هو الذي أعطاك القوة الجنسية والشهوة الجنسية ووضع عندك اختيارين فإما أن تصرف شهوتك الجنسية في أهلك أي زوجتك وبين أن تصرفها في الحرام والفاحشة ، وأنت المسؤول عن ذلك ، فقوّتك هذه ورغبتك وحركتك كلها بعطاء الله سبحانه وتعالى ولكنّ اختيارك لأحد الطريقين فهو مسؤوليتك .إذن الإمامية يختلفون مع المعتزلة في أنّهم عزلوا الله عن فعل العبد وأثبتوا كلّ الفعل والأمر لهذا العبد ، فنحن نقول أنّ هذا العبد ضمن الإطار العام خاضع لله وتحت مشيئة الله ، ولكنه هو المسؤول مباشرة عن هذا التنفيذ ، فهنا نقطة اتصال ونقطة افتراق .وفيما يرتبط بالصفات لا سيما الصفات الخبرية التي تنقل مثل إثبات أنّ لله العين أو اليد أو ماشابه ذلك
، قلنا أنّ الإمامية يلتزمون المعتزلة ويخالفون الأشاعرة ، في أنّ هذه الصفات لا تُحمل على معانيها الحقيقية الظاهرة وإنما لابدّ أن تُؤول ، مثلا قوله تعالى ( فإنّك بأعيننا )٨ أي تحت رقابتنا ، وقوله تعالى ( لمّا خلقت بيديّ )٩ أي بقدرتي ، وقوله تعالى ( يبقى وجه ربك )١٠ أي ما أُريد به وجه الله سبحانه وتعالى وما كان في سبيل الله ، وذكرنا سابقًا أنّ جمال اللغة العربية قائم على المجاز والكناية والتشبيه والقرآن الكريم نزل على هذه الطريقة وهذا الأسلوب ، ولم يبتدع أسلوبًا جديدًا فلا يثبتون هذه على ظواهرها ، ولذلك أيضًا لا يقبلون فكرة رؤية الله سبحانه وتعالى يوم القيامة خلافًا للأشاعرة .فالإمامية والمعتزلة والإباضية والزيدية كلهم يتفقون على عدم إمكانية رؤية الله
في يوم القيامة نهائيًا .فالأشاعرة يرون أنّ المؤمنين يستطيعون رؤية الله سبحانه وتعالى يوم القيامة ، وأما بعض أهل الحديث فهم النسخة الأكثر نصيًا و حرفيًا من الأشاعرة ، إذ يقولون ليس فقط يوم القيامة يُرى الله سبحانه بل يمكن أن يُرى في الدنيا أيضًا ، بعضهم يؤمن بذلك ، وقد قال أحدهم وهالني ما رأيته وسمعته مباشرة، قال بما لفظه : أنا كنت في السابق أشكّ في هل يمكن رؤية الله في هذه الدنيا أم لا ؟فيوم القيامة نعم يُرى الله ، إلى أن تبين لي أنّ الله يُرى في هذه الدنيا ولقد رأيته في عالم الرؤية عشر مرات .ولكن عند النظر لكلمات أهل البيت عليهم السلام هنا كلمات مضيئة نيّرة ( كلما ميزتموه بأوهامكم في أدق معانيه مخلوق