في الآية المباركة: (وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ)، يوم القيامة، القلوب تصل إلى الحناجر في تعبير عن شدة الخوف والقلق، كاظمين، في حالة احتواء على حالة من الهم الداخلي. (ما للظالمين من حميم ولا شفيع يطاع). هناك، الله سبحانه وتعالى يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور. هذه العين، المفروض منها أداء بشكل معين، تخدمك به. لكن غير مطلوب منها أن تشير بطرفها على شخص حتى تستهزئ به، أو حتى تتآمر مع عينه على ثالث. هذا غير مطلوب منها. ولذلك، هذه العين بهذه الصورة، تؤدي شيئا لم يكن مترقبا منها. كان المترقب منها أن تقصرها على العلم النافع، على تلاوة كتاب الله، على التفرج على خلق الله والاعتبار بذلك، أن ترى ما يحل لك. أما أن تحولها إلى
سلاح ضد أخيك، بأن تغمز له بعينك مثلا. هذا ما كان ينتظر منها، ما كان يتوقع منها؛ ولذلك تسمى: بخائنة الأعين. كان من مختصات رسول الله (ص)، أنه لم تكن تجوز له خائنة الأعين، ولم تصدر منه. حتى أنه عندما جاء إليه أحد ممن يستحق القتل، وقد أهدر النبي دمه بناء على جرائم ارتكبها. فجلس النبي هكذا، والمسلمون أيضا جالسون. إلى أن قام ذاك وخرج. فقالوا: يا رسول الله، لماذا لم تشر علينا حتى نُجهِز عليه؟! فقال: "إِنَّ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ حَرَامٌ عَلَيَّ". لا أستطيع أن أشير عليك بهذا، أن: أنهي أمره. وهذا قمة الأخلاق. فإذن، في القرآن الكريم، توجد آيات متعددة، منها في نقد الخائنين، وفي الإعراض عن محبة الله عز وجل لهم، وفي أنه لا ينبغي أن يكون الإنسان
معينا للخائنين، ولا مدافعا عنهم. في الآية المباركة: (إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ ۚ وَلَا تَكُن لِّلْخَائِنِينَ خَصِيمًا). هذه مهم أن نبينها، بناء على تفسير من طرق غير مدرسة أهل البيت، فيها ما يسيء إلى النبي. والتفسير الصحيح هو من طريق مدرسة أهل البيت (ع). وذلك أنه في قصة هذه الآية، زعموا -كما هو على نقل بعض تفاسير المدرسة الأخرى - أن تاجرا جاء إلى المدينة، فاشترى منه أحدهم مقدارا من البر، الحنطة، ووضعه في منزله. هناك عدد من الأخوة في رواية، أو واحد، من بني الأبرق، أغاروا في منتصف الليل على هذا المكان الذي فيه مقدار من البر، وأخذوه لأنفسهم. فصار تفتيش عنه. قام بعض هؤلاء برمي بمقدار من ذلك البر في بيت
يهودي. الأصل، الكمية المعتبرة جعلوها عندهم. لكن مقدارا، مقدارين، أكثر، أقل، رموه في بيت يهودي، وأوصلوا إلى النبي أن فلان اليهودي سرق من هذا البر. واليهودي لم يكن يعلم. والعادة في مثل هذه الحالات، يتسرع الناس باتهام من هو بالظاهر عدو لهم. نعم يهودي، واليهود كذا وكذا، وملعونون في القرآن، وإلى آخره. هنا، تفترق رواية أهل البيت عن رواية مفسري المدرسة الأخرى. مدرسة الخلفاء تقول: لما النبي – كما يزعمون – رأى ذلك في بيت اليهودي، جاء يعاتبه ويدافع عن السارق الحقيقي. فكأنما في هذه الآية، في زعمهم، نزلت لنهي النبي عن هذا العمل. وأنه لا تفعل هكذا، لا تكن للخائنين خصيما. يعني: من تخاصم عنهم، وتدافع عنهم. أو في آية أخر: (وَلَا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنفُسَهُمْ). فهنا، كأنه
عتاب فيما زعموا من الله للنبي. في تفسير أهل البيت، الأمر معكوس تماما. ويدل على نزاهة النبي، وتأكيد من قبل الله عز وجل: (إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ)، لماذا؟ (لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ)، يعني الله يريك الأمور على حقيقتها؛ حتى لا تخطئ فيها. ولذلك قال مفسرو مدرسة أهل البيت (ع) وهو الصحيح: أن النبي (ص) برَّأ اليهودي وأثبت الحق على السارق الحقيقي، وهذا كان - هذه الآية المباركة لتثبت هذا المعنى - بما أراك الله، وتوجه الخطاب بظاهره للنبي، وفي واقعه لسائر المسلمين، وهذا في القرآن الكريم كثير. مثل: (أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَىٰ غَسَقِ اللَّيْلِ)، هذا الخطاب موجه بظاهره إلى رسول الله (ص)، ولكن هو في واقعه لعموم المسلمين. فإذن، في القرآن الكريم، وجدنا أن الخيانة مبغوضة