سلسلة الأمراض الأخلاقية
الخيانة رأس النفاق
بسم الله الرحمن الرحيم
والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين أبي القاسم المصطفى محمدوعلى آل بيته الطيبين الطاهرين المعصومين المكرمينالسلام عليكم أيها الأخوة المؤمنون ورحمة الله وبركاتهحديثنا في هذا اليوم، يتناول أحد الأمراض الأخلاقية التي نسأل الله سبحانه وتعالى أن يجيرنا وإياكم منها. ذلك المرض الأخلاقي هو: الخيانة. فبعد أن تحدثنا في هذه الحلقات عن بذاءة اللسان، باعتباره، أحد الأمراض الأخلاقية، ثم تحدثنا عن الحسد، باعتباره مرضا أخلاقيا آخر، واستطردنا للحديث عن موضوع العين، نتحدث اليوم بإذن الله، عن موضوع الخيانة. الخيانة، في تعريفها اللغوي، تأتي بمعنى: التنقص. إنقاص شيء - في أصل اللغة - يعبر عنه بالخيانة. خان، واختان، يعني: انتقص. لكن في الاصطلاح الأخلاقي، يعبر بالخيانة عن: القول أو الفعل على خلاف التعهد. كأنما المنتظر من شخص أو من شيء، أثرا من
الآثار، فعلا من الأفعال، قولا من الأقوال، فيخالف في ذلك التوقع. وهذا يصدق على المواضيع الكونية وعلى الإنسان والمجتمع. فمثلا في تعابير أهل اللغة، يقال مثلا: خانني الدهر. أو إن الدهر خوان. يعني ماذا؟ يعني أنا كنت أتوقع من الدهر ومن الزمان، أن يؤاتيني وأن يسير معي، لكنه على العكس من ذلك سار بالضد مني. بدل أن يمتعني حرمني. بدل أن يريحني أتعبني. فيقول هذا: خانه الدهر. أو يقال في الحروب مثلا: خانه السيف. السيف حقيقة لا يخون. ولكن هذا تعبير عن أنه: كان هذا المقاتل، يتوقع من السيف قوة أكبر، لكن انكسر. يتوقع منه أن يقتل عدوه، فلم يعمل في درع ذلك العدو، فيقول: خانني السيف. يعني كنت أتوقع منه أداء أفضل من هذا الأداء، فلم يحصل. فهذا هو
الأصل: أن يكون شيء، سواء على مستوى القول أو الفعل، وسواء بالنسبة إلى الأمور التكوينية، كالدهر والسيف، والآلة وغير ذلك، أو بالنسبة إلى الإنسان. يقول: فلان خانني. كأنما كنت تتوقع منه شيئا فلم يعطك ذلك الشيء. وفي تعابير الأخلاق وفي تعابير الأحاديث مثلا، خان الله ورسوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ)، كأنما هذا الذي يخون الله سبحانه وتعالى، بمعنى: أنه كان يتوقع من هذا الإنسان شيئا، فلم يصنعه. الله عَهِد إليه، (ألمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَن لَّا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ)، فإذا بهذا الآدمي، الذي يتوقع منه الوفاء بعهد الله إياه في أن يعبد ربه، عندما أخذ عليه الميثاق في عوالم ما قبل الوجود، وعرَّفه عدوه، وعرَّفه الصراط المستقيم، كان يُتوقع من هذا الإنسان أن
يفي بما وعد، وهو: أن يسير على درب الإيمان، وأن يصدق بالله، وأن لا يخالف أوامره. فإذا ترك هذه الأمور، يقال: خان بالله عز وجل، أو خان الرسول، أو خان الأمانة التي أُعطي إياها. عندما عرض الله الأمانة على السماوات والأرض والجبال، فأبين أن يحملنها، وحملها الإنسان. أي تحمل مسؤوليتها، ثم لما تعهد بها، وقال: لا بأس، أكون حرا، ولدي إرادة، وسوف أطيع ربي. فلما أعطي كل ذلك، خاس بوعده، ونكث بعهده، فإذا به يعصي ربه، إنه كان ظلوما جهولا. فإذن، هذا في أصل تعريف الخيانة، كأحد الأمراض الأخلاقية التي قد يبتلى بها الإنسان. في آيات القرآن الكريم، ورد الإنكار كثيرا، والتشنيع على من يحمل هذه الصفة. فوُصِف أنه غير محبوب من قبل الله عز وجل، فإن الله يقول: (إِنَّ
اللَّهَ لا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ). الإنسان الذي تكون طبيعته الخيانة، وسوف يأتي: الخيانة في ماذا. إن شاء الله نتحدث عن أن الخيانة، أن لها تجليات وظهور في أكثر من منحى من المناحي. فإذا صدرت الخيانة من الإنسان وأصبح خائنا، يكون من ذلك الصنف الذي لا يحبه الله سبحانه وتعالى. في سورة الأنفال: (إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ). في سورة الأنفال أساسا، نظرا لأنها لما كانت غالبا تناقش قضايا الحرب، والعلاقة بين المسلمين والكافرين، كمجتمعين متواجهين، غالبا يأتي فيها الحديث عن الخيانة في أكثر من موضع وآية.في آية أخرى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ). بل حتى بعض المظاهر التي تنبئ عن شيء داخلي من الخيانة، انتُقِدت من قِبَل القرآن الكريم، وهي ما تسمى: بخائنة الأعين،