مَن يحسد مَن ؟ ولماذا ؟ ٧

مَن يحسد مَن ؟ ولماذا ؟ ٧
00:00 --:--

العالم قد لا يحسد مثلا المهندس الكهربائي، ولكن قد يحسد العالم من جنسه ومن صنفه. على سبيل المثال، زيد من الناس عالم في منطقة، اكتسب فيها وجوه الناس، وتوجه إليه أبناء المجتمع، وأصبحت له مكانة وموقعية. وهذا الآخر في نفس المنطقة أو منطقة قريبة، ربما يرى نفسه أفضل علما منه، ومع ذلك لم يحصل على تلك المكانة والمنزلة بين الناس. فهذا الثاني حسده لذلك العالم الأول أكثر مما يحسد مهندسا كهربائيا؛ لنفس السبب؛ لأنه متشابه معه في العمل.

وهكذا، افترض فيما يقال في قضية الضرائر والزوجات، بل حتى في غيرهن. امرأة – على سبيل المثال – هي مع أخرى وزوجهما واحد. هذه لها مكانة، وتلك تحسدها على هذه المكانة. في داخل الأسرة، هذه امرأة تتمتع مثلا بميزة جمالية استثنائية، بينما باقي النساء في نفس الأسرة، لسن على نفس المستوى من الجمال. ومع أنهن أرحام ربما، بنات عمومة، أو بنات خؤولة، أو بنات أسرة واحدة، لكن من الممكن أن تحسد إحداهن الأخرى نظرا لجمالها المتميز.

في داخل العمل، هذه ممرضة وهذه ممرضة، لكن لنفترض أن الأولى تقدمت لسبب من الأسباب؛ إما لحسن دوامها، أو خفة يدها، أو لمسارعتها للعمل، فترقت. وتلك الأخرى لم يحصل لها نفس الأمر. هذه فتحسد الأولى أكثر من أن تحسد المدرِّسة في المدرسة الفلانية.

لذلك يقولون: الحسد في المتشابهين والمتشابهات الذين واللاتي يشبهون ويشبهن بعضهن البعض، إما في البيئة الاجتماعية، أو في العمل، أو في النسب، أو في المهنة والوظيفة، هذا الحسد فيمن يشبه نفسه وقريب منه، أكثر مما يكون بين غير المتشابهين. وكما ذكرنا أيضا، كلما صار قريبا، كلما كان احتمال الحسد أكبر. وربما استشهاد القرآن الكريم ببعض حالات الحسد من داخل الأسرة، فيها إشارة لهذا المعنى.

القرآن الكريم – كما ذكرنا في حديث سابق – تحدث عن عدة تجارب، وأشار إلى تجارب أخرى. تحدث عن قابيل وهابيل، وكيف أن قابيل حسد هابيل على منزلته عند الله، (فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ). وهذا هو الشر الذي يحذَّر منه: (وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ). هذا هو الشر. ويعني: أن يتحول هذا الشعور النفسي: تمني زوال نعمة ذلك الطرف، إلى فكرة: كيف أنا أعتدي عليه، وأزيل نعمته، بل وأزيله أصلا من صفحة الوجود ومن سطح الأرض، فينتهي إلى شر مثل: القتل.

وهكذا الحال في قضية نبي الله يوسف. كيف حسده أخوته، وكانت نتيجة ذلك الحسد أن ألقوه في غيابت الجب بعد وساطات ومقاومة – حسب التعبير – وإلا كان الأصل: (اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا)، أي أضيعوه، حتى لا يرجع. بمعنى: إنهاء وجوده. هذا هو الشر الذي يُخاف من الحاسد. لا أنه مجرد أن يتمنى، أو يفكر، أو يقول أحسد هذا أو كذا، يتأثر المحسود. هذا بحسب ما يرى العلماء، سواء علماء الدين أو العلماء الاجتماعيين والنفسيين. غير هذا، لا أثر للحسد.

فأورد مثل هذه التجارب في الأقارب. وأورد أيضا تجارب مما بينهم منافسة في مكان – حسب التعبير – كما حصل في قضية إبليس وآدم. فآدم كان في ذلك المكان مسجود الملائكة ومكرما بينهم. أما إبليس الذي كان يتوقع أن تكون الكرامة له، لم يحصل على شيء، فحسد آدم. وصنع له شرا وانتهى به أن خدعه وأخرجه من الجنة.

وأهل الكتاب أيضا، عندما كانوا يحسدون المسلمين – كما ذكرنا في وقت سابق – لماذا يريدون أن يعود هؤلاء كفارا؟ (حَسَدًا مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم). إذ ينتهي بهم الحال – هؤلاء أهل الكتاب اليهود – أنهم يتمنون لو يرجع المسلمون كفارا وعبادا للأصنام، فلا يبقى على دين التوحيد إلا هم؛ نظرا للتنافس هنا على: من هو أقرب إلى الله، من هو متصل بالسماء، من يملك نبيا من الأنبياء. فأوصلهم إلى مثل هذا الأمر.

مشاركة عبر:
الشيخ فوزي آل سيف

عدد المواد المنشورة: ٢,٩٧٦

أرشيف الكاتب
البحث في الموقع
الأكثر قراءة