وقام أحدهم بشقِ صدره وأخرج منه قطعة لحم وقال هذا نصيب الشيطان منه استأصلناه, وإن للشيطان نصيبًا في كل أحدٍ إلا عيسى بن مريم. هذا الكلام كلامٌ لا أصل له, ولا دليل يعضدهُ. أولًا, نحن نحتمل أن يكون هذا تسريب من الحالة المسيحية لكي تُقدم عيسى بن مريم على رسول الله, أي أنهم يقولون أن كل البشر فيهم مضغة الشيطان كما سموها إلا عيسى, حتى محمد أيضًا زعموا أن فيه هذه المضغة فمن الطبيعي أن إذا كان أحدٌ من أصل خلقته ليس للشيطان عليه سبيل ولا فيه مضغة شيطان أفضل من هذا الذي احتاج لعملية جراحية لإزالتها. وهذا الكلام عارٍ عن الصحة, أضف إلى ذلك, منذ تلك الحادثة إلى يومنا هذا والناس تبحث عن مضغة الشيطان في البشر, فهي ترغب
بإيجادها ولكنها غير موجودة. ومع تقدم العلم تم الكشف عن أوردة الجسم والشرايين وغيرها ولكن لم يجدوا مضغة الشيطان هذه. ثانيًا, متى كان حظ الشيطان في الإنسان يرتبط باللحم؟ فالشيطان لا يرتبط باللحم, وليس عنده عرق أو وصلة لحم يضعها في الإنسان وإنما القضية هي التزيين من قِبل الشيطان للإنسان فيستجيب لتزيينه. فهذه روايةٌ لا أصل لها ولا أساس وليست صحيحة في مدرسة أهل البيت وإن نقل بعضهم أن فلان قال لقد رأيت أثرَ الخياط في صدر رسول الله صلى الله عليه وآله فهذا كلامٌ هزلي وغير دقيق. نمى رسول الله صلى الله عليه وآله حتى اشتد عضده ورجع من جديد إلى مكة وبقي في كنف ورعاية جده عبدالمطلب إلى سن الثمانية سنوات توفي بعدها جده عبدالمطلب وكفله عمه أبا
طالب لجهات مختلفة، وصار تحت رعاية عمه أبا طالب فصار نِعم الوريث لهذا الاهتمام من أبيه عبدالمطلب. نمى رسول الله صلى الله عليه وآله على غير ما ينمو عليه أقرانه ومشابوهه من العمر فمن هو في عمر الـ ١٣ والـ١٤ سنة عادةً يميل إلى اللهو والعبث وماشابه ذلك, لكن مسار رسول الله صلى الله عليه وآله لم يكن هذا المسار فقد أعده الله سبحانه وتعالى لما هو أعلى من ذلك ويقول أمير المؤمنين عليه السلام: ولقد وكَّل الله بنبيه ملكًا من أعظم الملائكة يسلك به مسالك مكارم الأخلاق. فمنذ ذلك الوقت كان تحت رعاية الله عز وجلّ, فإذا كان نبي الله موسى يخاطبه ربه بقوله: ولتُصنع على عيني. والنبي موسى أقل منزلةً من رسول الله ومُعدّ إلى دور أدنى فما
ظنك بسيد الأنبياء محمد صلى الله عليه وآله؟ مع شبابه بدأ يعمل لكي يكسب مالًا ينفقه على نفسه فوالدته توفيت ووالده توفي وجدّه أيضًا توفي وهو في كفالة عمه أبي طالب وأبو طالب وإن كان عظيم الشخصية وقويها وسيدًا في قريش إلا أنه كان من الناحية المادية غير متمكن, بالإضافة إلى وجود عددٍ غير قليل من الوِلدِ ذكورًا وإناثًا عنده فالنبي صلى الله عليه وآله استشعر هذا الأمر فبدأ بالعمل, وكان مما عمل فيه أنه كان يشارك في قضية التجارة. قانون المضاربة في مكة كان يظهر من العقود الكثيرة الرواج, وحتى الآن هذا القانون موجود وهو قانونٌ مُمضى من الناحية الشرعية وصحيح وهو ينص أن يكون عند إنسان رأس مال وأن يكون عند شخص آخر عمل فصاحب رأس المال يعطي
لذلك الشخص المال وهذا الشخص يبدأ بتحريك هذا المال فيتاجر ويبيع ويشتري, يصدر ويستورد وغير ذلك, والأرباح بينهما بالنسبة التي يحددانها. قانون المضاربة هذا كان منذ القدم موجود وقبل الإسلام ومنتشر وجاء الإسلام وأقرَّ شرعيته وأنه صحيح وإلى يومنا هذا كثير من العمليات التجارية تقوم بهذا النحو على مستوى الشركات التجارية الكبرى والبنوك الضخمة وشركات القبض وغير ذلك. فالنبي صلى الله عليه وآله رغب في هذا الأمر وفي هذه الأثناء خديجة بنت خويلد سلام الله عليها لفت نظرها رسول الله صلى الله عليه وآله منذ شبابه وقبل أن يبلغ العشرين وسيما مع تواتر الأخبار من الكهنة والقساوسة من أهل الكتاب في قولهم أنه يوشك أن يُبعث نبيٌ من مكة وهذا الخبر كان منتشر وشائع وحتى القرآن الكريم كان يشير إليه